حاول بعض النقاد أن يربطوا فن النحت النصبي، الاعتباري والتزييني الجمالي، بالعمارة والمساحات الخضراء والشوارع والساحات والحدائق ومداخل المدن، بل وإدخاله في نسيج المنشأة المعماريّة نفسها، في المدن والبلدات والقرى العربية كافة، أسوة بباقي الدول التي قطعت شوطاً في التقدم والتحضر والتحديث.
ولأن الأثر النحتي الساكن بين الناس في ذهابهم ورواحهم، يتألق ويبرز و يتأكد جماله وتأثيره في العراء، وتالياً فإن وجوده هذا، يُكرس جماليات الأمكنة التي يوجد فيها، أُعتبر من المظاهر والمؤشرات الحضاريّة الدالة على تطور الدول، خاصة وأن هذا الأثر النحتي النصبي أول ما يصافح عيون الزائر للمدن والبلدات. البلاد العربيّة التي كانت غنيّة بهذه المظاهر الفنيّة الحضاريّة الجماليّة والمعرفيّة، عادت لتصبح فقيرة جداً بها، في أيامنا الحاليّة، وهو ما يجعلها أحوج ما تكون إلى البحث الجاد والصادق والمدروس، عن أنجع الوسائل وأسرعها، لتعويض هذا الفقر، وصولاً إلى اكتمال ملامح صورتها الحضاريّة المتطورة والحديثة. في طليعة هذه الوسائل الناجعة والناجحة والمضمونة النتائج، تأتي ملتقيات النحت المحليّة والعربيّة والعالميّة.
أو ما اصطلح على تسميتها «سمبوزيوم» أي لقاء مجموعة من الاختصاصيين في مجال محدد، في مكان وزمان محددين، لتبادل المعارف والخبرات، من خلال انكبابهم، لمدة لا تتجاوز الشهر، على إنجاز عمل نحتي، بالاشتغال المباشر، على قطعة من الحجر أو الرخام، كان كل واحد منهم قد وضع أنموذجاً مصغراً «موديلاً» لها مسبقاً.
هذا التجمع ينعكس إيجابياً على هذا الاختصاص وعلى خبراتهم وإمكاناتهم في آنٍ معاً. من هنا يجب تفعيل هذه الملتقيات، والإكثار منها، وتطويرها، والإسهاب في دراسة ما ينفذ خلالها من أعمال، شكلاً ومضموناً وغاية، كي لا نهدر الوقت والجهد والإمكانات سديً!!.
خلال العقود الماضية، شهدت سوريا ومصر، والإمارات العربيّة المتحدة، والبحرين، ودول عربية أخرى، عدداً كبيراً من الملتقيات المكرسة لخامة الحجر أو الرخام. بعض هذه الملتقيات، تنظمها وتدعمها الدولة، ممثلة بوزارات الثقافة، أو الأكاديميات والنقابات والتجمعات والمنظمات المعنية بالفنون الجميلة، أو بعض الفعاليات الاقتصاديّة العربيّة والعالميّة العاملة فيها، من بنوك، وشركات، ومؤسسات، والتي لعبت دوراً إيجابياً مهماً، في خدمة الفن والفنانين والبلاد التي تنتمي إليها، أو تعمل فوق أراضيها، من خلال تبنيها لمعارض وملتقيات فنيّة عديدة، وقيامها باقتناء أعمال الفنانين، بهدف تشجيعهم ودفعهم للانكباب على العمل والابتكار والإبداع.
ومن مظاهر الرعاية والدعم والتبني التي يقوم بها القطاع الخاص، للفن والفنانين، قيام بنوك عالمية عديدة، بأفراد صالات عرض ضخمة، ضمن منشآتها وأبنيتها، تستضيف فيها، وبشكل دائم، معارض فنيّة متنوعة، وتقوم بتوفير مستلزماتها من أدلة «كاتالوكات» وبطاقات دعوة وملصقات، واقتناء بعض معروضاتها.
كذلك قيام شركات عقاريّة وخدمية مختلفة، بإقامة ملتقيات دورية للنحت والرسم، محليّة وعربيّة ودوليّة، منها ملتقى «إعمار» الدولي الذي تشهده بشكل دوري، مدينة دبي. هذا الملتقى الذي، تقيمه شركة إعمار العقارية، بدعم من عدة جهات، ويشارك فيه عدد كبير من النحاتين والرسامين العرب والأجانب يتجاوز عددهم في بعض السنوات الستين فناناً وفنانة.
وهو ما تفعله بلدية جدة التي فرضت على كل شركة لديها مشاريع في المدينة، استنهاض عمل فني على شاطئها الذي صار اليوم معرضاً للأعمال الفنيّة الفراغيّة التعبيريّة والتزيينيّة.
في سوريا قام ، أخيراً، بنك عودة الخاص، بمبادرة غير مسبوقة، حيث شارك بإعادة تأهيل ساحة الشهيد يوسف العظمة أمام مبنى محافظة دمشق، بحيث تنسجم وتتوافق مع أهمية الرمز الذي تحمل اسمه، والتمثال البرونزي الذي نفذه النحات ياسر الكردي لصاحب وقفة العز الأولى، في سفر النضال الوطني المعاصر في سوريا ضد المستعمر.
والذي كان قد وضع على قاعدة لا تناسبه، وضمن محيط لا ينسجم معه، حيث انتزع تمثال «الثوري العربي» الذي نفذه خلال ستينات القرن الماضي النحاتون : محمود جلال، وديع رحمة، وعبد السلام قطرميز، من هذه الساحة، وحُشر في مكان غير لائق ولا مدروس ولا مناسب، قرب مبنى الاتحاد العام للفلاحين في منطقة الإطفائية، ووضع مكانه تمثال يوسف العظمة، على عجل، ودون دراسة، إلى أن جاءت المبادرة الطيبة واللافتة، من قبل بنك عودة، بإعادة تأهيل هذه الساحة، وقد وفقت هذه الجهود، في خلق الشروط المناسبة، لإبراز هذا التمثال وتأكيد حضوره اللائق بحجمه وحركته ودلالاته. وهذه البادرة التي أقدمت عليها جهة خاصة، نأمل أن تُعمم وتتحول إلى قدوة ومثال لباقي الشركات والمؤسسات والبنوك الخاصة التي بدأت تتكاثر بشكل لافت في سوريّا.
هذه الجهات الاقتصاديّة والعقاريّة العربيّة الخاصة المليئة مالياً، تجهد في منح منشآتها المعماريّة، لمسة جماليّة حديثة تميزها عما حولها من مبانٍ، ويبدو أنها معنيّة بالمحيط الذي تنهض فيه مبانيها هذه، وتطمح لأن تتكامل عناصره وتنسجم وتتوافق شكلاً مضموناً، والأثر النحتي النصبي، الاعتباري والتزييني، وعلى الرغم من تحرر شكله، يبقى على صلة وثيقة بمحيطه، فمن المستحيل إنجاز تمثال أو مجموعة تماثيل، من دون أن يؤخذ بعين الاعتبار، الموضع الذي يُفترض بالأثر النحتي أن يشغله.
فالمرء لا يبدأ بتنفيذ عمل فني ليبحث من ثم عن مكان ينصبه فيه، بل لا يمكن ولا يجوز إشادة العمل الفني إلا من خلال صلاته المستقبلية مع محيط خارجي محدد، ومع تنظيمه وشكله المكاني، ومن هنا فإن جملة من الروابط، يجب أن تقوم بين النحت والفسح المعماريّة وتنظيم المدن. ولعل نظرة سريعة إلى تاريخ العمارة والنحت، نجد أن هذا الأخير لم يكتف بمجاراة العمارة، والتوافق معها، وإكمال مهمتها الوظيفيّة والجمالية الدلالية، بل سكن دواخلها، وتسلق أوابدها وجدرانها، وداخل نسيجها مع باقي أسرة الفنون التشكيلية، من رسم وتصوير وزخرفة.
إذن العمارة لا تلتقي والنحت فحسب، بل إن الفنين ينحدران من صلب واحد هو «الفنون الجميلة» والتداخل قائم ومؤكد بين هذه الفنون جميعاً. فقد أكد التاريخ أنه لا سيبل مطلقاً لتقدم وإحياء فن العمارة إلا بتعانقه مع الفنون التشكيلية من جديد، حتى تعود لها روحانيتها، ويقف المهندس على قيمها الحقيقية، وقد أوصت جميع المؤتمرات الدولية التي بحثت في وسائل النهوض بالفنون التشكيلية الحديثة ونشرها وإنعاشها اجتماعياً، أوصت بالاهتمام بالفنون التشكيلية ضمن التصميمات المعماريّة.
وقد قامت في العصر الحديث، تجربة رائدة في هذا المجال، قادها المعماري لوكوربوزيه ظهرت نتائجها بشكل واضح في المكسيك والبرازيل، أكدت صحة هذه القاعدة، وذلك عندما حاولت ضم عائلة الفنون الجميلة إلى بعضها، ضماناً لخلق فن جديد كبير متكامل، انطلاقاً من المفهوم السابق، ومن واقع تاريخ الفن وقيمه.
على هذا الأساس، تتأكد أهمية وضرورة، إيلاء الأثر النحتي الساكن في العراء، اهتماماً كبيراً، والعمل الجاد والحثيث، على نشره والإكثار منه، سواء بوساطة ملتقيات النحت المحلية أو العربية أو الدولية، أو من خلال المؤسسات التعليميّة المعنية بالفنون الجميلة، أو عبر المعارض والمسابقات التخصصية، أو بتكليف النحاتين المشهود لهم بطول الباع والخبرة، بإنجاز أعمال نحتيّة متعددة المهام.
تنشيط ذاكرة المواطن
يمكن ربط مناهل المياه والبحيرات التزيينية المنتشرة بكثرة في مدننا وبلداتنا، بالأثر النحتي والخزفي، وربط الشوارع بميداليات كبيرة، أو تماثيل نصفيّة أو بالطول الكامل، تجسد الشخصيات السياسيّة والأدبيّة والعلميّة التي تحمل أسماءها، بهدف تنشيط ذاكرة المواطن وإحضار هذه الرموز فيها، كلما صافحت عيناه ملامحها المجسدة بالنحت النافر أو المجسم.
د. محمود شاهين

