«سلمون إرلندي»، هي الرواية الخامسة للروائي خليل الرز يواظب من خلالها على تعزيز منهجه السردي المتكئ على بنية رمزية ذات دلالة، ولغة شاعرية تتدّفق بكثافة عالية تتضمن بدورها الكثير من الفانتازيا واللعب والتغريب الساخر والعبث، لتعبّر جميعاً عن خلفية ثقافية معاصرة.

ينهض النصّ سردياً على تقنية تعدد الرواة، حيث في البدء نتابع سارد مفارق لمرويه يعمل على تقديم الحكاية والشخصيات، ثمّ يفسح المجال لكل شخصية أن تروي حكاياتها بضمير المتكلّم، إذ يفتح السارد في استهلال الرواية إطاراً أوّلياً لشخصية الكاتب رفيق السكّري الذي يعيش في دمشق، وزمانه يتوازى مع لحظة انهيار الاتحاد السوفييتي في مطالع التسعينات، ويستعدّ للسفر إلى الرقّة لإلقاء محاضرة حول أدبه، وهناك سيلتقي برفيق دراسته سعد البصري، وهو لم يزر الرقّة منذ ثلاثين عاماً، وقبل أن يسافر يترك رسالة لصديقته الحميمة رغداء رزق الله يوجهها فيها لتحرير كتابة له.

وبالرغم من الكثير من التفاصيل التي يحتويها هذا الإطار الأولي، والتي كان من الممكن فتحها كأطر جديدة، يؤثر الروائي فتح إطار خاص برغداء رزق الله ليغدو الإطار الأهم الذي ستتفرع عنه حكايات كثيرة، ولتغدو رغداء، لا رفيق السكري، الشخصية المحورية المنكسرة التي تتشابك الشخصيات معها لتؤسس عالم الحكاية الغني والمعقّد.

ولكي نفهم هذا الانكسار، كان لابدّ من فتح إطار إضافي يتّجه إلى ماضيها، فهي من قرية سورية على الحدود اللبنانية اسمها «تل أغبر» والدها الجمركي رزق الله رجل غضوب وعنيف، يضرب زوجته وأخته باستمرار، وفي حضور ابنتيه رغداء ووديعة، فيمثل بذلك السلطة القامعة التي تدأب على نشر الخوف في إطار مملكته الصغيرة أو عائلته المؤلّفة من نساء أربع تجبرهن التقاليد على الخضوع لمشيئته والانصياع لأوامره وتقبّل مزاجه الصعب والرضوخ لتثقيفه لهنّ عبر قراءات لبضعة كتب عن عالم الحيوان لديه.

أما الإطار الآخر فهو مخصص للمثقفين، حيث يلتقي رزق الله الشاعر الحلبي قدري الباشا في الحانة، فيدعوه إلى منزله، ليلتقي هناك برغداء التي كانت لاتزال طالبة في نهاية المرحلة الثانوية، لينغلق الإطار الحكائي، وينفتح إطار جديد للتعريف بالشاعر قدري الباشا، ويستعرض بعضاً من سيرته الذاتية، وأسباب انكساره بالعودة إلى الماضي القريب، كي يؤكّد وجهة الروائي الناقدة لذلك التاريخ، الذي لم يفض إلاّ إلى حالات انكسارات عديدة عاشها المثقفون وخصوصاً بُعيد تفكك الاتحاد السوفييتي وتلاشي صوت اليسار عالمياً، وانهيار الآمال الكبرى في بناء جمهورية العدالة والمساواة.

ان التوقّف عند شخصية الشاعر قدري الباشا هي لتناول بعض الأبعاد الدلالية التي أضاءها النصّ، ويمكننا استشفاف ذلك من خلال جملة الإشارات الموظفة في السياق السردي، حيث يعمل السارد على الربط ما بين «إيمان» و«حلب» كجسد أنثوي تعرّض للذكورة وعنفها.

وكمقابل لرمزية «إيمان» و«حلب»، هناك «رغداء رزق الله» بأحلامها وتخيّلاتها وأوهامها التي تكسّرت جميعاً أمام عتبة الذكورة لتكون بذلك رمزاً لـ «سوريا» وضياع الأمل.

ومن المفيد في الختام التنويه إلى أن الشخصيات كافة سوف تعاني من سطوة قوّة خفيّة غير منظورة، تعمل على تقزيم الشخصيات وتشظية الأحداث بما يشبه العبث، حيث فقدت الأشياء معناها في هذا الزمان المضغوط والمرهون لمشيئات عليا تقزّم الإنسان، وتجوّعه، وترعبه، كي يمتثل بشكل نهائي لنظام الطاعة.

الكاتب في سطور

خليل الرز روائي وشاعر ومسرحي سوري، ولد بالرقة عام 1956، درس اللغة العربية بجامعة حلب، وتخرّج منها عام 1980، ثمّ سافر إلى موسكو لتعلّم اللغة الروسية، وعمل هناك في إذاعة موسكو حتى عام 1993، ثمّ عاد إلى دمشق ويعمل في وزارة الثقافة في مديرية التأليف والترجمة منذ عام 1996، وصدر له من الأعمال الروائية: سولاويسي ويوم آخر ووسواس الهواء وغيمة بيضاء في شبّاك الجدّة وسلمون إرلندي وأين تقع صفد يا يوسف، هذا بالإضافة إلى مسرحية بعنوان «إثنان» ومجموعة من الترجمات عن الروسية: قصص روسية مختارة وحكاية من الزمن الضائع لـ «يفغيني شفارتس» ومختارات لأنطون تشيخوف في مجلّدين.

عزت عمر