العلاقة بين الأدب والسياسة لم تكن ودية في يوم من الأيام، لا بل على العكس، فهي علاقة إشكالية ودرامية وحتى تراجيدية، لأن السياسة مسألة سلطة والسلطة عدوة الكتابة الجيدة ومناهضة لما تتطلبه من حرية جوهرية لا غنى عنها في هذا الميدان، ولأن، وهنا مكمن الجانب التراجيدي، هناك «أدباء»تحولوا، بعد أن تنازلوا عن ميولهم الأدبية والتزاماتهم الفكرية وضرورات التعبير، إلى أعضاء في جمعيات المستبدين والطغاة وأصبحوا أصدقاء لهم و«كتبة» مأجورين لدى أحزاب وجماعات أيديولوجية.

فتلك الغابة من الخانعين والخاضعين تغص بكتبة التقارير الإخبارية والكتيبات الرسمية والثورية وبجيش جرار من مراسلي القادة والزعماء. لا يختلف اثنان حول مدى سوء الأدب المتملق والمهادن للسلطة، فالكتب الساعية إلى إعلاء كلمة الطغاة ورفع قاماتهم لا تعدو كونها أوراقاً بائسة تعسة، وقاحات هائلة، محاطة بهالة من «النجاح» الواهم، الذي لا يتحقق إلا من خلال حملات الدعاية المغرضة. في مقابل ذلك، فإن النتائج تكون خارقة للعادة بالنسبة للآداب في حال انشغالهم بالسلطة وممثليها من دون التخلي عن النقد وروحه وبعيداً عن تحويل روايات وأبحاث إلى مجرد بروباغاندا، وبهذه الطريقة، فإنهم يشرفون الكتابة بتحملهم أعباء المخاطر التي يتطلبها هذا النوع الجاد من الكتابة.

في أميركا اللاتينية تعتبر رواية السلطة جنساً أدبياً قائماً بذاته، بقيت واضحة فيه صور الطغاة وأفراد حاشياتهم وشططهم وضحاياهم، زمنهم وبيئتهم، ذلك أن تيار الواقعية السحرية في الأدب وجد في التاريخ مقلعاً يتجاوز حدود الخيال والتخيل. السلوكيات المخالفة للصواب والشذوذ والغرابة وهذيانات الأقوياء والجبابرة كانت من ذلك النوع الذي جعلت القدرة على التهويل وإعمال الخيال محدودين.

في أميركا اللاتينية، انتقلت بعض الشخصيات من صفحات التاريخ إلى صفحات الأدب من دون أي تغيير في فظاظة وقسوة الواقع الذي عاشته تلك الشخصيات، بحيث يصبح دكتور فرنسياً الـ «أنا الأعلى» في أحد أعمال الكاتب روا باستوس، بينما يصبح فيسينتي غوميز، الفنزويلي، هو القائم على الخدمة الدينية للموتى في رواية للأديب يوسلار بييتري، الطاغية هاوي الأبقار والديكة المقاتلة.

أما «حفلة التيس»، فإنها تعكس قصة تروخيو الساخرة، التي يرويها لنا ماريو فارغاس لوسا بدرجة عالية من الاحتراف والروعة. «خريف البطريرك» لغابرييل غارسيا ماركيز هي قصة انحطاط وانهيار العديد من القادة والزعماء الذين شاخوا في البذاءة والوحشية، لكنهم يتمتعون بالاحترام والتقدير من قبل شعوب تعشق الطغاة والمستبدين وتحن للأشداء من الرجال.

رواية «السيد الرئيس» هي قصة مؤسسة السلطة في أميركا اللاتينية نفسها، التي لا ينقصها سوى كتابة بعض فصولها التراجيدية الأخرى، والتي يعتبر البعض أن كاسترو يمثل أحد أشد تلك الفصول وضوحاً بتربعه على عرش السلطة طوال عقود طويلة من الزمن إلى درجة أن هذا البعض يصفه بالناجي من الطوفان الشمولي، الذي يكتب الآن رسائله من ملجأه السري مثلما فعل دوما. قصة بيرون، الذي يعد ابو الشعبوية والتخلف الأرجنتينيين.

قصة فيلاسكو غيبارا وخطاباته المخفية التي حركت جماهير جاهلة. كل ذلك ما هو إلا غيض من فيض قصص الطغاة الآخرين، الذين جعلوا من السلطة فصلاً شخصياً، امتيازاً لا يمكن التنازل عنه وهوى وغواية.

ينبغي على الأدب فك المزيد من الصلات التي تجمعه بالسلطة، وقطع دابر حالة الإذعان والخضوع التي لا تزال تتعاظم في حالات كثيرة والتي لا تزال تجعل من الممكن محاكمة الكتاب كل حسب أيديولوجيته، ومن منظور قصة الحزب المتسلسلة. ولعل الحالة الأكثر وضوحاً في هذا السياق هي حالة الكاتب البيروفي ماريو فارغاس لوسا الذي يمكن اعتباره أفضل روائي على قيد الحياة في أميركا كلها، والذي لا تزال أعماله تلقي الضوء على حياة السياسيين المعقدين والمرارات السلطوية الثورية.

لكن قبل هذا وذاك لا بد من التمييز بين حضور السياسة وعوالمها في أدب أميركا اللاتينية من جهة وبين الدور الذي يلعبه الأدباء في الشأن العام عموماً وفي الميدان السياسي خصوصاً من الجهة الأخرى. فالصنف الأول يشتمل على المضامين والجرعات السياسية المحملة على متن مختلف الأعمال الأدبية، في حين يتعلق الصنف الثاني بأدوار سياسية يلعبها الأدباء في مجتمعاتهم.

من نافلة القول إن الأمثلة زاخرة في كلا الحالتين، إذ من السهولة بمكان أن تجد أديباً يرشح نفسه إلى منصب سياسي بما في ذلك منصب الرئاسة مثلما حصل في حالة ماريو فارغاس لوسا، الذي رشح نفسه للانتخابات الرئاسية في بلاده بيرو.

لكنه أخفق في الوصول إلى سدة الحكم هناك، فضلاً عن مشاركة أدباء أميركا اللاتينية الدؤوبة عموماً من خلال كتاباتهم السياسية المباشرة في الصحف والدوريات التي تغص بأسماء مشاهير الأدباء الأميركيين اللاتينيين على غرار كارلوس فونتيس، الذي يكتب المقالات السياسية بصورة دورية، فضلاً عن أنه جمع عدداً منها ونشرها في كتاب تحت عنوان «ضد بوش».

وإدواردو غاليانو، الذي يكتب زاوية سياسية يومية منذ عشرات السنين ومن أشهر كتبه السياسية «شرايين أميركا اللاتينية المفتوحة»، الذي أخذ أبعاداً أسطورية بعد أن بادر الرئيس الفنزويلي هوغو شافيز إلى إهداء نسخة منه للرئيس الأميركي باراك أوباما أثناء مؤتمر الأميركتين، أما في الحالة الثانية المتعلقة بالمضامين السياسية في الأعمال الأدبية فحدث ولا حرج، حيث يلاحظ حالة من التماهي بين الخيالي والواقعي في الكثير من الأعمال الأدبية التي ألفها كتاب أميركا اللاتينية مثل جورجي أمادو وبابلو نيرودا وغيرهم.

وإذا أخذنا علاقة بابلو نيرودا بالسياسة كنموذج للتداخل الكبير والعميق بين عالمي الأدب والسياسة في أميركا اللاتينية، فإننا نجد أنه على الرغم من أن هذا الشاعر التشيلي الكبير، الذي لا يشق له غبار في ميدان الأدب، قد بلغ أهميته القصوى بفضل أعماله الشعرية، إلا أن ذلك لا يقلل من أهمية وضعه كانسان كوني كان مجبولاً بالقلق والاهتمام بكل ما له علاقة بالإنسانية في أوسع أطرها، حتى أن فصل الشاعر عن بعده السياسي، في حالة نيرودا، ما هو إلا إنكار لأحد العناصر البنيوية ليس لشعره فحسب، وإنما لقناعة عبر عنها من خلال مشاركة الشاعر النشطة في الحياة المدنية عن طريق الحزب الشيوعي الذي كان عضواً فيه.

علاقة نيرودا بالسياسة تعود إلى عشرينات القرن الماضي، حقبة كانت تغلي بالنشاط السياسي، كان اتحاد الطلبة في الجامعة التشيلية، الذي شارك نيرودا فيه بشكل فعال، يمثل أحد اللاعبين الرئيسيين في المشهد السياسي للبلاد. في تلك السنوات وحتى قبل أن يصبح لنيرودا وجهة نظر سياسية متبلورة تماماً، راح يتشكل في الشاعر إحساس اجتماعي مرهف لم يتجسد إلا بعد مرور بضع سنوات محدثاً تغييراً أثر على مسار حياته وأعماله ورؤيته للشعر.

مكان تلك الانعطافة كان إسبانيا والزمان عام 1936، وذلك عندما اندلعت الحرب الأهلية هناك، في تلك السنوات، كان نيرودا يشغل منصب القنصل التشيلي في برشلونة، وكانت تربطه علاقة وثيقة بالوسط الفكري الاسباني، الذي وجده متبلوراً بقوة ومنخرطاً بالواقع السياسي. بيد أن نيرودا أبقى على نفسه على هامش ذلك الوضع.

لكن كل ذلك اختلف عندما اندلعت الحرب الأهلية الاسبانية، ففي تلك اللحظة التاريخية بالذات انخرط نيرودا وشعره وبشكل مباشر في ميدان السياسة وكانت قصيدة «أوضح بعض الأمور»، التي تعبر عن حالة التحول الجذري التي انتابت الشاعر وفكره.

مدفوعاً بمجريات أحداث إسبانيا، استهل نيرودا درباً طويلاً في السياسة، ذلك الدرب لم يوصله إلى منح شعره ذلك الإحساس الاجتماعي الماثل في الكثير من نصوصه فحسب، وإنما إلى تحمل أعباء مهام مجلس شيوخ الجمهورية اعتباراً من عام 1945، السنة التي أنتخب فيها عضواً فيه والتي انضم خلالها إلى الحزب الشيوعي التشيلي، وبعد ثلاث سنوات وإثر إعلان السلطات التشيلية الحزب الشيوعي حزباً غير قانوني، بدأ نيرودا رحلته في المنفى وعاش سراً حتى تمكن من الخروج من البلاد، التي لم يتمكن من العودة إليها إلا في عام 1952.

في حالة نيرودا، فإن البعد السياسي للشاعر يعتبر عنصراً لا غنى عنه للاطلاع بصورة متكاملة على حياة وأعمال ونشاط مواطن تشيلي حمل قصائده الساحرة شجاعة المناضل، الأمر الذي يضفي طابعاً شخصياً على نموذج مؤثر لشاعر لم يخنه الشعور بالكرامة ويقظة الضمير، الذي جسده نيرودا من خلال مساهمته في ميدان الشعر السياسي، وفي عمله الذي أوصله إلى مجلس الشيوخ وإلى القيام بأعمال دبلوماسية وإلى أن يصبح المرشح الرئاسي لحزبه في انتخابات 1970 وإلى تحمل مسؤوليات سياسية كبرى في عهد الرئيس سلفادور الليندي.

أما وفاته بحد ذاتها، التي حدثت بعد أيام معدودة على انقلاب عام 1973، فلا تزال مغلفة بسواد تلك الأيام، متحولة إلى رمز لالتزام نيرودا بالأفكار التي أنعشت حياته.

في حالة أميركا اللاتينية، فإن النماذج الدالة على تداخل السياسي بالأدبي والعكس لا تعد ولا تحصى، فلكل أديب قصته السياسية مثلما لكل سياسي محيطه الأدبي وأصدقاء من المبدعين، فضلاً عن نموذج ثالث يتعلق بالعلاقة السياسية بين أديب وآخر، حيث تبرز العلاقة بين الكاتبين البيروفي لوسا والكولومبي ماركيز، التي تأزمت أيام شبابهما إلى حد الاشتباك بالأيدي وجه خلاله لوسا لكمة قوية لزميله الذي خرج من المعركة بعين تحيطها غمامة سوداء جراء اللكمة الشهيرة.

وثمة حديث حول ملاسنة كلامية جرت بينهما في وقت لاحق اتهم فيها مؤلف «حفلة التيس» مؤلف «مئة عام من العزلة» بالارتماء بأحضان نظام كاسترو «الاستبدادي» والدفاع عنه، فرد عليه ماركيز قائلاً: ما الذي فعلته يا لوسا لأبناء أميركا اللاتينية غير الخطابة؟ أما أنا فلقد تمكنت على الأقل من إخراج عدد من السجناء السياسيين من السجون الكوبية وذلك بفضل الصداقة التي تجمعني بالرئيس الكوبي.

باسل أبو حمدة