غابت شمس فراشة الهند كمالا داس ثريا، جناحاها لا يزالان يرفرفان فوق بيوتات يكاد تسمع منها آهات النساء وتنهداتهن هناك، حيث تنبؤهن بيوم أرحب وليل هادئ بقرب الحبيب الذي لا يخون ولا يحط من قيمتهن كجنس بشري منح الدنيا سر بقائها وعنفوان استمراريتها.. خصوبتها.

في معرض وصفها للشاعرة والقاصة الهندية كاملا داس ثريا (1934 ـ 2009) تأتي كلمات الكاتبة المصرية د. نوال سعداوي رقراقة كمياه نبع صاف يتفجر في قمم جبال الهيمالايا وعذبة كنسائم روح آسيا المسالمة لتقول إنها»تمسك القلم كأنه مشرط في يد جراح، تشق اللحم وتكشف النخاع. تكتب عن حياتها بالشجاعة نفسها التي تكتب بها عن حياة الآخرين، آخر كتاباتها هي مذكرات حياتها، حيث تقول عن نفسها إنها لا تملك إلا الصدق وهذا الصدق دفعها إلى ترك بيتها وزوجها والمدينة الكبيرة بومباي وتذهب لتعيش في قريتها مع أهلها الأصليين النابر، حيث الثقافة الهندية الأصيلة، التي تحترم المرأة وتمنحها السيادة داخل البيت وخارجه كالإلهات القديمات».

أمضت ثريا جل حياتها في عبادة آلهة الهند، فتوجهت إلى شيفا وكريشنا وجانيش وديرجا. لكن لم يستطع أي اله منهم أن ينفعها بشيء أو أن يشبع روحها المفعمة بكل ما هو إنساني بأبعاده الميتافيزيقية.

ويبدو أن تلك الثقافة العريقة لم تكن كافية لتشبع نهم الروح عند كمالا، التي عاشت حياتها باحثة عن سكينة لامتلاكها لم تجد من بد غير اعتناق الديانة الإسلامية علها تجسر الهوة بين جسد فان ورح تواقة إلى المعرفة والحب والتعبد، خطوة ثورية أقدمت عليها الكاتبة ضاربة بعرض الحائط كل ردود الأفعال المتوقعة والأكيدة الرافضة بصورة قطعية لها، خطوة أرادت من خلالها تحقيق معادلة راحة النفس في ظل طاعة الخالق بعد أن ناهز عمرها ال67 عاما، وهي تقول بهذا الصدد: «ظلت فكرة الإسلام تراودني منذ 27 عاماً، إلا إنني انتظرت حتى يتزوج أبنائي ويستقروا.

أما فيما يتعلق بالحرية، فإنني لا أريد تلك الحرية، لقد ذقت منها ما يكفيني، أريد خطوطا محددة لتنظيم حياتي، أريد سيداً يحميني، أريد الحماية وليس الحرية، أريد طاعة الله. ولقد تأثرت كتاباتي بعد الإسلام واتضح ذلك في أعمالي الأخيرة ولعل أبرزها ديوان(يا الله).

وفور الإعلان عن اعتناقها الإسلام تلقت داس عدة تهديدات بالقتل من قبل جماعة فيشو هندو باريشاد الهندوسية بتهمة قيامها بإهانة معبودهم، فضلا عن أنها واجهت حالة من الغضب العارم من قبل بعض الدوائر الأدبية والاجتماعية وهجوماً عنيفا من وسائل إعلام كانت تمتدحها في وقت سابق.

وتصف ثريا بدايتها الأدبية بالهادئة والمفعمة بحب قراءة الشعر وهي تقول: «لم تكن بدايتي بالكتابة سوى هواية أمارسها ولطالما تمنيت أن أكون كاتبة معروفة، ولم أكن أعلم ما يخبئ لي الزمن. حظيت بعد زواجي بدعم كبير من زوجي، وبحكم فارق السن فقد كان يتعامل معي كأب، إضافة إلى خالي الذي أثر عليّ في قراءتي للشعر».

ذاع صيت ثريا في الهند كونها كاتبة مثيرة للجدل، إلا أنها لا تتفق مع هذا التوصيف المبالغ فيه، وهي تقول لم أكن مثيرة للجدل، بقدر ما كنت أول من تحدث في رواياته وبكل براءة وبساطة عن الحياة الجنسية، في الوقت الذي لا تزال الشاعرات الهنديات يكتبن الشعر حول تخيلات البنات المراهقات، والحب غير المتبادل. كان ذلك في أول أعمالي «صيفٌ في كالوكتا».

كتبت ثريا بلغتها الأم «المليالم»، كما كتبت الكثير من دواوينها وقصصها باللغة الإنجليزية، وترجمت أعمالها إلى لغات عدة، ولعل أبرز كتاباتها تتمثل في سيرتيها الذاتية التي حملت عنوان «قصتي» التي ترجمت إلى أكثر من 15لغة، محققة بذلك انتشارا واسع النطاق على الصعيد العالمي، لكن هذه الرواية المفصلية في حياة ثريا الأدبية تسببت بالكثير من الهرج والمرج في بلادها، حيث اتهمتها القطاعات الأكثر محافظة بالقيام بتبرير الخيانة والزنا والدفاع عنهما.

ترشحت ثريا لنيل جائزة نوبل عام 1984، وحصلت على جائزة الشعر الآسيوي عن ديوان «صفارات الإنذار» وغيرها من الجوائز الأدبية الآسيوية والمحلية وحققت شهرة عالمية منقطعة النظير من خلال كتابات جعلت من الهم الإنساني عموما وهموم المرأة خصوصا شغلها الشاغل متجاوزة الكثير من الحواجز الاجتماعية ومخترقة الثالوث المقدس في المجتمعات الشرقية القائم على الدين والسياسة والجنس، حالها في ذلك حال معظم الكاتبات الهنديات، اللواتي يتناولن قضايا مجتمعهن بحرية كبيرة فالمرأة «التي تكتب في الهند تتناول جميع القضايا في بلدها وفي الحياة من دون خوف ولا حرج، إذ لا شيء أمامها اسمه موضوع حساس، لا في السياسة ولا الدولة ولا في الحب ولا في الجنس ولا في العمل.

كل شيء في الهند والعالم أمام قلمها قابل للعرض والكشف»، على حد تعبير سعداوي، التي زارت الهند ومكثت هناك عدة شهور راصدة أسلوب عيش الناس هناك عموما والمثقفات من النساء على وجده الخصوص.

ولدت كاملا داس ثريا عام 1934 في مالبار (جنوبي الهند) وتلقت تعليمها في البيت حتى بلغت 15 عاما من عمرها، أسرتها تقوم في ذلك الحين بترتيب أمر زواجها من رجل أكبر منها سنا بكثير ولم تكد تبلغ ربيعها آل 16 حتى رزقت بأول أبنائها. وعلى الرغم من الفارق الكبير في العمر، أصبح زوجها ك.

ماذافا داس نصيرها الكبير مشجعا إياها على الكتابة، على الرغم من أنه لم يكن بمقدورها القيام بذلك إلا في الليل وذلك بعد أن تكون قد أدت التزاماتها المنزلية والعائلية على أكمل وجه. هذا الدعم الحاسم ظل قائما رغم الإشكالية التي أحاطت دوما بحياة هذه الكاتبة بداية بسبب المضمون الجنسي الواضح لأشعارها وفي وقت لاحق بسبب الصراحة والوضوح البالغين المجسدين في سيرتها الذاتية.

اهتمت كمالا داس ثريا، المرأة المتقلبة غزيرة الإنتاج، بالفن التشكيلي عموما وبالرسم على وجه الخصوص، كما أعدت برامج إذاعية حول الشعر. في عام 1984، تفشل داس في محاولتها للوصول إلى سدة البرلمان الهندي والحصول على مقعد لها فيه. في ديسمبر 1999، تعتنق الإسلام مشعلة بذلك فضيحة كبرى أحاطتها إشاعات حول زواجها مجددا من رجل مسلم.

وفي وقت لاحق تعلن عن نيتها في تشريع حزبها السياسي» لوك سيف». كانت محررة للشعر في مجلة «صورة الهند» الأسبوعية من 1971 إلى، 1972 وكانت متعاونة مألوفة مع عدد من الصحف الهندية والأجنبية. وفيما يتعلق بمسيرتها الأدبية، المتأثرة بأشعار والدتها نالا بات بالأماني آما وخالها نالابات نارايان مينون وهو كاتب معروف، فإن داس استهلت تلك المسيرة المفعمة بالعطاء والإبداع مذ كانت فتاة صغيرة جدا.

حيث راحت تكتب بغزارة فألفت أكثر من 30 رواية بلغة الماليان التي يتكلمها الناس في منطقتها كيرالا، وبذلك شغلت ثريا مكانة خاصة وبارزة في أدب ماليان الحديث مستخدمة في أحيان كثيرة اسمها المستعار مذافيكوتي، بينما نشرت أشعارها ضمن 14 انطولوجيا شعرية.

أعمالها باللغة الانجليزية تشمل خمسة دواوين شعرية «صيف في كالكوتا» ـ 1965 ـ، «السلالات» ـ 1967 ـ، »منزل الألعوبة القديم وقصص أخرى» ـ 1973 ـ، «قصائد أنامالاي» ـ 1997 ـ و«الروح فقط تعرف الغناء» ـ 1996 ـ، وذلك دون نسيان رواياتها «أبجدية الرغبة» ـ 1997، «قصتي» ـ 1976 ـ ومجموعة القصص القصيرة» بائعة الهوى بادافاتي وقصص أخرى». وساهمت كمالا ساد ثريا، الحائزة على العديد من الجوائز الرفيعة الوطنية والعالمية، طوال مسيرتها الأدبية والإنسانية بخلق دروبا جديدة لتحرير المرأة الهندية.

وظلت طوال حياتها ملتزمة بقضايا مجتمعها وعصرها وبقيت تعالج بلا انقطاع مشكلات وتجارب متصلة بالمرأة والواقع المرير الذي تعيشه في كنف مجتمع السلالات والطبقات الصارم الذي لا يرحم بعاداته وتقاليده القاسية ولاسيما فيما يتعلق بقلة احترام وازدراء رغبات وتطلعات المرأة، رافضة المحرمات والصمت الذي يفرضه التقليد الهندي على تلك المواضيع.

رئيس الحكومة الإقليمية في كيرلا في.إس. أتشوذاناندان، أكد أن داس «كانت تروي قصص الحب الإنساني بالطريقة الأكثر إثارة»، مضيفا أن أعمالها جمعت بين رسالة العدل الخاصة بالمرأة من جهة وبين الحب الكوني الشامل الذي لا يسمح لنسائمه أن تعبر الحدود الوطنية لتهب هناك وتعبق في قلوب الناس.

كتاب وفنانون وسياسيون رأوا خسارة الكبرى لحقت بعالم الثقافة في وفاة كاملا، التي نهلت من منابع الثقافة متأثرة بوالدتها الكاتبة أيضا وجدتها، التي وصل إعجاب المؤلفة بها حد وصفها بأنها «كائنها البشري المفضل».

قصيدة «ناني»

كامالا داس

ترجمة: د. شهاب غانم

»ناني» الخادمة الحامل

شنقت نفسها في أحد الأيام في المرحاض،

وظلت معلقة هناك، كدمية شوهاء، ثلاث ساعات طوال

إلى أن حضرت الشرطة.

وعندما كانت الريح تهب فتديرها برفق في حبلها

كان يتراءى لنا، نحن الذين كنا أطفالاً يومئذ،

أن «ناني» كانت تقوم برقصة مضحكة لتسليتنا.

نمت الأعشاب بسرعة، وقبل نهاية الصيف

كانت الأزهار الصفراء تعانق المدخل والحيطان،

وأصبح المرحاض المهجور كأنه مذبح في معبد

أو ضريح لقديسة ميتة.

بعد عام أو عامين سألت جدتي ذات يوم

هل تذكرين «ناني» الممتلئة الداكنة

التي كانت تغسلني بجانب البئر؟

حركت جدتي نظارة القراءة على أنفها

وحملقت في وجهي وسألت: «ناني»... من هي؟

وبهذا السؤال انتهت «ناني».

كل الحقائق تنتهي هكذا بسؤال.

إن هذا الصمم المتعمد يحوّل الموت إلى خلود

والشيء الأكيد إلى رخو غير أكيد.

إنهم محظوظون أولئك الذين يسألون أسئلة

قصيدة «موازي الحياة الغامض»

موازي الحياة الغامض هو الموت

كثيراً ما أسأل نفسي: هل ما أفعله هو الحياة أم الموت؟

يوجد شيء من كليهما في كل حركة، سواء كانت لعقلي أو جسدي.

في حنجرتي يصارع الشهيق الزفير.

والمشاهد التي أراها لا تسكن في الخارج، بل في داخلي.

المخاوف القابعة في عقلي

تهبط علي من رؤوس الأشجار عند الغسق

وفي زوايا المطبخ المظلمة تجثم بمخالب لها حفيف،

وتحديق عيون من يعرف كل شيء.

ويرتفع عويل آكلات اللحوم أعلى فأعلى

حتى يتلاشى من الحياة بكاء الطفل الذي نحاول دائماً تذكره

تماماً مثلما يبتلع الألم الكبير الآلام الصغيرة

وكما تمحو الذكريات المبهرجة الذكريات الأكثر سعادة ولذة

هل كان هناك طفل في سريري يوماً من الأيام

كانت تملأ له طاسات الصدور محملة بالحليب والحب؟

يبدو أن جفافاً مفاجئاً قد حط رحاله

على مصبات دمائي التي بيّضت لونها لفحة الشمس!

القصيدة مأخوذة من كتاب « قصائد من الهند» ترجمة د.شهاب غانم.

باسل أبو حمدة