مؤلف كتاب «الاشتقاق» هو «محمد بن الحسن بن دريد الأزدي» من أئمة اللغة والأدب، كانوا يقولون: ابن دريد أشعر العلماء وأعلم الشعراء، ولد في البصرة سنة 223ه، وتوفي في «بغداد» سنة 321 ه، وكتابه الاشتقاق، كتاب في تفسير أسماء قبائل العرب وترجمة أعلام كل قبيلة، وذكر في الكتاب مذاهب العرب في تسمية أبنائها، وافتتحه بذكر اشتقاق اسم النبي الكريم محمّد «صلى الله عليه وسلم» وآبائه، ثم العشرة المبشرين، ثم بني أعمامه، ثم بقية قريش فبقية عدنان فقبائل قحطان.
من الكتاب: وكان الذي حدانا على إنشاء هذا الكتاب، أن قوماً ممن يطعن على اللسان العربي وينسب أهله إلى التسمية بما لا أصل له في لغتهم وإلى إدعاء ما لم يقع عليه اصطلاح من أوليتهم، وعدّوا أسماء جهلوا اشتقاقها، ولم ينفذ علمهم في الفحص عنها، فعارضوا بالإنكار واحتجوا بما ذكره الخليل بزعمهم أنه سال أبا الدقيش، ما الدقيش؟ فقال: لا أدري إنما هي أسماء نسمعها ولا نعرف معانيها وهذا غلط على الخليل وإدعاء على أبي الدقيش...
فابتدأنا هذا الكتاب باشتقاق اسم نبينا محمّد «صلى الله عليه وسلم» وأعلم أن للعرب مذاهب في تسمية أبنائها، فمنها ما سمّوه تفاؤلاً على أعدائهم نحو: غالب، وغلاب، وظالم، وعارم، ومقاتل، ومعارك، وثابت، ومنها ما تفاءلوا للأبناء نحو: نائل، ووائل، وناج، ومدرك، وسالم، وسليم، ومالك وعامر. وسعد وسعيد.
ومنها ما سمي بالسباع ترهيباً لأعدائهم نحو: أسد، ليث، فراس، ذئب، سيد، ضرغام..
ومنها ما سمي بما غلظ وخشن من الشجر تفاؤلاً أيضاً نحو: طلحة وسمرة، وسلمة، وقادة، وهراسة. وكل ذلك شجر له شوك ومنها ما سمي بما غلظ من الأرض وخشن، لمسه وموطنه، مثل حَجَر، حُجير، وصخر وفهر، وجندل، وجرول، وحزم..
ومنها أن الرجل كان يخرج من منزله وامرأته تمخض، فيسمى ابنه بأول ما يلقاه من ذلك نحو: ثعلب، وثعلبة، وضب وضبة، وكلب وكليب، وحمار، وقرد وخنزير، وجحش، وكذلك أيضاً تسمّى بأول ما يسنح أو يبرح لها من الطير نحو : غراب، وصرد..
النبي «صلى الله وعليه وسلم» مشتق من الحمد، وهو مفعّل، ومفعّل صفة تلزم من كثير من فعل ذلك الشيء، روى بعض ثقلة العلم أن النبي «صلى الله عليه وسلم» لما ولد، أمر عد المطلب بجوزر فنحرت، ودعا رجال قريش، وكانت سنتهم في المولد إذا ولد في استقبال الليل، كفؤوا عليه قدراً حتى يصبح، فغفلوا ذلك بالنبي صلى الله عليه وسلم فأصبحوا وقد انشقت عنه القدر وهو شاخص إلى السماء، فلما حضر رجال قريش وطعموا، قالوا لعبد المطلب، ما اسميت ابنك هذا؟ قال: سميّته محمّدا، قالوا ما هذا من أسماء آبائك، قال: أردت أن يحمد في السموات والأرض فمحمّد مفعّل لأنه حمد مرة بعد مرة، كما تقول «كرّمته وهو مكرّم وعظمته وهو معظم، إذا فعلت ذلك به مراراً.
