في ملتقى الفكر والثقافة الذي نظمته دائرة ثقافة وإعلام عجمان في مطلع شهر يونيو حدد الدكتور حمد بن صراي في محاضرته المهمة جداً المعنونة الخليج العربي ملتقى الحضارات، العمق الحضاري والتاريخي للمنطقة من حوالي الألف الثانية أو الأولى قبل الميلاد، وأجد أنه ينبغي أن لا نكتفي بهذا البعد بل نذهب أكثر عمقاً.
من خلال إطلاعي المتواضع، أجد أن المنطقة ذكرت في ملحمة كلكامش الذي انطلق من أور في الألف الرابعة أو الخامسة قبل الميلاد ورست سفينته في دلمون، كما في نص الملحمة التي ترجمها طه باقر، وكذلك فراس سواح، وفي دراسة صدرت قبل حوالي عامين للدكتور علوي الهاشمي حلل بها مفردات نص كلكامش وحاول أن يقرب المسافة في البحث وتحديد المكان التقريبي الذي رسى به كلكامش في أرض دلمون.
وبذلك تكون المنطقة قد ارتبطت بمراكز الحضارة المحيطة بها، حيث أحاطتها ومنذ قرون حضارات عريقة مثل الحضارة الفارسية، وحضارة وادي السند، وحضارة وادي الرافدين، التي كان الخليج بوابتها على العالم، لذا نجد تأثير هذه الحضارات في المنطقة وأهميتها منذ آلاف السنين، و لا تكتسب المنطقة أهميتها من اكتشاف النفط، بل هي امتداد جغرافي للحضارة التي نشأت بعد ذلك، منطلقة من الجزيرة العربية، أي بعد ظهور الإسلام وانتشاره في أرجاء العالم، ولا يمكن هنا أن نفصل المنطقة جغرافياً.
ولا تاريخياً ولا حضارياً. في هذا الإطار أطلعت على أرقام طينية عبارة عن رسائل مكتوبة باللغة المسمارية، ومرسلة من نبوخذنصر ملك الملوك وصاحب الجنائن المعلقة في بابل إلى ملك دلمون، وهذه الأرقام وترجمتها معروضة في متحف البحرين.
وهذا يعني أن علاقات متعددة وليس منفردة كانت قائمة بين وادي الرافدين وهذه المناطق عبر الحضارات التي شهدها العراق في تاريخه القديم وحتى الحديث، إذ نعلم أن شيوخاً وعلماء كانوا يأتون إلى هذه المناطق من الزبير جنوب البصرة، وكذلك شيوخ نجد، لتعليم أبنائها في الكتاتيب.
أو في حلقات الدراسة التي كانوا ينظمونها. أننا هنا لا نتحدث عن تجارة قديمة أو معاصرة فصراع المنطقة والإمارات تحديداً مثلما هي عمان واضح في التاريخ الحديث عبر سلسلة من حروب شنتها تلك الدول الطامعة في المنطقة بأسباب مختلفة، أهما تأمين خط التجارة بين بومباي والبصرة.
إن الدراسات ما زالت غير متكاملة عن تاريخ المنطقة وأن زادت بشكل ملحوظ خلال العقود الثلاث الماضية، إلا أن تراكمات التاريخ أكبر من جهود فردية تسعى بين الحين والآخر، لذا نجد هذا الملتقى ينسجم والحاجة الأساسية لعقده، أو بالأحرى لتكرار عقده وزيادة قاعدة الباحثين ومساقاتهم، ولا بد أن تحذو مؤسسات أخرى وفي أطر مكملة لاستكمال الدراسات والأبحاث بما يصب في خدمة الوجه التاريخي المنصف للمنطقة بأكملها ومنها دولة الإمارات.
