يبحث ميشيل فوشيه في كتابه «أوروبا مستقبل العالم» علاقة أوروبا بالعالم وأن الأوروبيين يشكلون قوة فاعلة، إلى جانب قوى أخرى، في العولمة.
يبدأ المؤلف تحليلاته من موقع «الجغرافي» ليقول ان راسمي الخرائط أدركوا منذ العصور القديمة أن أوروبا جزء من العالم وأن أهميتها الحقيقية تأتي من علاقتها مع العالم «كما هو».
ويحدد ميشيل فوشيه منعطفا آخر في عام 1989 عندما انهار جدار برلين. يومها فهم الأوروبيون مدى قوة الجذب التي يمارسها نجاحهم على المحيط الأوروبي وبلدانه التي أرادت الانضمام «بسرعة» إلى المركز.
وعلى قاعدة مثل تلك الفكرة أخذ الاتحاد الأوروبي الذي بدأ بستة بلدان فقط يتسع ويتحدد «إلى ما لا نهاية». لكن مثل هذا التوسع «بلا حساب» خلق بالتدريج نوعا من الإحساس بأخطار محدقة.
ويحدد المؤلف شرطا أساسيا لإمكانية أن يلعب الاتحاد الأوروبي دوره المتمثل في توصّل الأوروبيين إلى الاتفاق بصورة واقعية ومستدامة على جملة من المصالح المشتركة التي يتولّى الجميه مسؤولية حمايتها والدفاع عنها.
ذلك على أن يتم تحديدها بصورة واضحة وصياغتها على هيئة توصيات. لكن لا يمكن أوروبا، بكل الأحوال، أن تعطي لـ «فن العيش الأوروبي» مصداقية عالمية دون أن تدرك بشكل دقيق ما يجري في العالم وأن تكون لديها إرادة الفعل في هذا العالم.
ويرى ميشيل فوشيه في تقييمه لمسيرة التوحيد الأوروبي أن المحصلة، رغم ما فيها من نقاط ضعف، تجعل الأوروبيين «في جهة التاريخ»، وأنه لا ينبغي «أن يخجلوا» مما حققوه خلال مسيرة التوحيد الأوروبي وخاصة خلال العقدين الأخيرين من الزمن. وتتم الإشارة إلى أنه بفضل النموذج الأوروبي تمكّن الأوروبيون من مواجهة عدة أزمات منذ عام 1989 الذي شهد انهيار جدار برلين. بهذا المعنى تبدو المحصلة «إيجابية»، على عكس ما يتردد كثيرا، كما يشير المؤلف.
تبقى المسألة المعقّدة التي يواجهها الاتحاد الأوروبي هي مسألة الحدود فمسألة الانتماء إلى «مجال جغرافي» هي في غاية التعقيد. ومع تأكيد المؤلف أنه «لا يمكن العيش بدون حدود» يطرح السؤال التالي: ماذا تعني بتعبير حدود.
ويشرح هنا، بالاعتماد على أفكار الفيلسوف ايمانويل كانط، أن للحدود مفهومين. الأول يقول بوجود حدود تفترض أن الآخر موجود وأن هناك علاقات متداخلة معه، ويقول الثاني بوجود حدود «فاصلة» تقوم واقعيا على «نفي الآخر» وبحيث يسود الإحساس لدى كل طرف أنه «معزول» عن الآخر في مجاله الخاص به.
ويرى ميشيل فوشيه أن مسألة الحدود في أوروبا مطروحة بشكل سيئ، ويختلف حولها السياسيون والدول والأحزاب وحتى داخل كل هذه الفئات. لذلك ينبغي على الاتحاد الأوروبي الخروج من منطق «الانضمام إليه» أو «لا شيء»، أي البقاء خارجه، كما تُبدي المواقف حيال مسألة انضمام تركيا لمسيرة التوحيد الأوروبية. ومع ذلك يرى فوشيه أن تركيا كانت «داخل» الاتحاد الأوروبي أو «خارجه»، هي موجودة دائما. ولذلك لا بد من إيجاد الصيغة «الذكية»، لتسيير الأمور المشتركة ولمصلحة الجميع.
الكتاب: أوروبا مستقبل العالم
تأليف: ميشيل فوشيه
الناشر: اوديل جاكوب باريس 2009
الصفحات: 141 صفحة
القطع: المتوسط
L'Europe est l'avenir du
Michel Foucher
Odile Jacob - Paris 2009
.P141
