تنتمي الكاتبة النيجيرية شيماماندا نجوزي أديتشي إلى مجموعة محدودة من الكتاب والكاتبات، الذين تألقوا على الساحة الإبداعية العالمية، ولمع نجمهم بشدة، بعد أن حملوا إلى الغرب ثمار الخيال الذي يضرب جذوره في أرض نشأتهم الأولى، وذلك على جسر من تعلم الكتابة الإبداعية في عدد من ورشات العمل الغربية البارزة.

هكذا رأينا الكاتبة النيجيرية تحصد في عام 2007 جائزة أورانج عن روايتها الملحمية «نصف شمس صفراء»، لتباع منها نصف مليون نسخة في المملكة المتحدة وحدها، وفي العام الماضي حصلت على نصف مليون دولار في إطار زمالة مكارثر التي تشتهر شعبياً بـ «جائزة العبقرية»، وحصدت مؤخراً جائزة نونينو الإيطالي، من ضمن العديد من الجوائز الأخرى، التي جاءت تكريساً للوعد الأول بالتألق الذي واكب روايتها الأولى «الخبيزة الأرجوانية». وكان من الطبيعي أن يتساءل كثيرون عند هذا المنعطف من المسيرة الإبداعية للكاتبة النيجيرية التي لم تتجاوز الحادية والثلاثين من عمرها: ماذا بعد؟

الرد الذي طرحته أديتشي على علامة الاستفهام هذه تمثل في مجموعة قصصية تقع في ثلاثمئة صفحة تحمل عنوان «الشيء المحيط برقبتك»، وتضم اثنتي عشرة قصة سبق لها أن نشرتها جميعها، باستثناء قصة واحدة، في صحف ومجلات عالمية شهيرة.

تركز هذه القصص بصورة أساسية على حياة نساء نيجيريا وتجاربهن، وهن كما يتجلين أمامنا على صفحات المجموعة نساء سقطن في غمار العنف الوحشي الذي تشهده نيجيريا، نتيجة الصراع السياسي والاحتراب الديني، وتعين عليهن أن يواجهن الانتزاع من دورهن، الوحدة، وخيبة الأمل في حياتهن الجديدة أو زيجاتهن الجديدة، وأن يتجاوزن المأساة المقدرة لهن.

هاته النسوة، اللواتي نلتقيهن على صفحات المجموعة، هن بصفة عامة من نساء الطبقة المتوسطة النيجيرية، يتسمن بالذكاء واللماحية، لكنهن يفتقرن إلى الثقة، وتطبق عليهن شخصيات تجمع بين الأنانية والتجرد من الأخلاق. هكذا فإننا في قصة «تقليد» نجد أنفسنا مع زوجة شابة تعيش حياة الوحدة والعزلة في أميركا، ونكتشف أن زوجها الغني قد نقل خليلته إلى دار العائلة في لاجوس.

تروي قصة «يوم الاثنين من الأسبوع الماضي» حكاية امرأة جامعية نيجيرية تجد نفسها في أميركا مرغمة على تدبير أمور معيشتها من خلال العمل في تدبير أمور منازل الآخرين. وفي قصة «السفارة الأميركية» تعاني امرأة، قتل ابنها على يد مجموعة من البلطجية السياسيين الذين يطاردون زوجها، تعاني من ضروب الاذلال الصغيرة العديدة التي يشاركها فيها كل من تقدم يوماً للحصول على سمة دخول إلى بلد غني من بلد إفريقي فقير.

وعلى الرغم من أن هناك لمحات واهنة من التفاؤل في هذه القصص التي تسودها في مجملها الكآبة العارمة، فإننا نكاد نرتطم على الدوام بجدران صلبة من خيبة الأمل والمعاناة، ولا نكاد نرى في نهاية النفق لمحة من ضوء الأمل. هناك قصة واحدة في المجموعة كلها نلتقي فيها براوية ذكر، وهي قصة «أشباح» التي تحكي قصة لقاء بين أستاذ جامعي متقاعد وزميل سابق له كان الأستاذ الجامعي يعتقد أنه قد مات في الحرب الأهلية.

وفي غضون حوارهما يستعيد الأستاذ الجامعي في قرارة نفسه التغيرات العديدة التي طرأت في السنوات التي مضت منذ التقيا لآخر مرة، وفي مقدمتها الخيانة من قبل الزملاء والحكومات وضياع الأحلام وفقدان زوجة الأستاذ الجامعي نتيجة لمعالجتها بأدوية مغشوشة، وهي الزوجة نفسها التي لاتزال تعاود ليلاً غرفة زوجها. وهذه القصة، في حقيقة الأمر، وعلى الرغم من تضاريسها الظاهرية الضارية تتسم بقدر كبير من الرقة المؤثرة في النفس، تعود بنا إلى العالم الذي نقلته لنا على نحو مقنع للغاية في روايتها «نصف شمس صفراء».

ولابد للقارئ من أن يلاحظ أن كتابة أديتشي مفعمة بالتعليق الاجتماعي والسياسي، وهي كاتبة تحمل على محمل الجد دورها كناطقة معبرة عن تجارب أولئك الذين يعيشون في القارة التي شهدت مولدها. ولكن إذا كانت تلك هي القوة الدافعة الكامنة وراء الكثير من الكتاب القادمين من إفريقيا، فإن العبء الواقع على كاهل الكاتب الأسود أن يتأثر بما يراه وفي الوقت نفسه ألا يقيده هذا الذي يراه.

وقد عالجت أديتشي هذا التوازن على أفضل نحو في روايتها «نصف شمس صفراء»، وذلك بسبب النطاق الهائل للسرد الذي سمح لها بالوقت والفرصة لاستكشاف تأثير الحرب على الشخصية. غير أن بعض القصص تقصر عن الوصول إلى الانجاز الذي بلغته الكاتبة النيجيرية في روايتها، وهكذا فإن المرء لا يمكن إلا أن يتساءل، في نهاية المطاف، عما إذا كانت هذه القصص تعود إلى مرحلة أسبق من مسيرة الكاتبة الإبداعية، أزيح عنها الغبار ليتم إدراجها في هذه المجموعة.

وربما كانت القصص الأقل نجاحاً في المجموعة هي تلك التي يحس فيها القارئ برغبة المؤلفة السافرة في تقرير فكرة ما أو طرح بعينه. أما أكثرها نجاحاً فهي تلك التي تركز فيها أديتشي على الشخصية أو الموقف أو كيف تتغير حياة البشر في لحظة واحدة، على نحو ما نجد في قصة «الغد بعيد للغاية»، وهي إحدى أقصر قصص المجموعة وأكثرها إفصاحاً عن براعة المؤلفة، وفيها تتألق الموضوعات القوية القريبة من فؤاد المؤلفة، ولكنها لا تتجاوز الكتابة المتميزة بالوضوح والتألق.

الكتاب: الشيء المحيط برقبتك

تأليف: شيماماندا نجوزي أديتشي

الناشر: نوف نيويورك 2009

الصفحات: 300 صفحة

القطع: المتوسط

The Thing Around Your Neck

Chimamanda Ngozi Adichie

Knop- N.Y. 2009

300P.