تتمثل أهمية هذا الكتاب في شمولية موضوعاته المطروحة في سياق ثورة المعرفة التكنولوجية التي تعيش البشرية بداياتها حالياً، إضافة إلى أن تنوع هذه الموضوعات وتكاملها بالعلاقة مع الثورة التكنولوجية يجعل منه مرجعاً لا غنى عنه للمثقفين وأهل العلم والفكر ومصدراً مهماً يمكن أن يسد شيئاً من الفراغ في المكتبات العربية.

ويبحث الكتاب في آفاق اقتصاد القرن الحادي والعشرين ويحاول إيضاح كثير من حالات عدم التيقن التي تصاحب ثورة المعرفة التكنولوجية، اقتصادياً واجتماعياً وتقنياً في ظروف التحول مع بداية الألفية الثالثة.

ويدعو الكتاب إلى نبذ الاقتصاد الكلاسيكي وافتراضاته القائمة على التصرف الأمثل وعلى التوازن وإلى بناء علم اقتصاد جديد يعالج التحول الاقتصادي في ظل العولمة والقائم على أساس عدم التوازن أو التوازن عند الحافة. ويتألف الكتاب من ثلاثة أجزاء يستكشف الأول منها القوى التي تحرك التغير الاقتصادي، والثاني الآثار الاقتصادية الجزئية التي تترتب على بنية وسلوك منشآت الأعمال، في حين يتناول الثالث أنظمة الاقتصاد السياسي الجديدة الناشئة.

يحاول الفصل الأول وصف وتعريف الإمكانيات الاقتصادية المتعددة في القرن الحادي والعشرين، مشيراً إلى أن الرأسمالية عملية ديناميكية وتطورية ساهمت ليس في توجيه التغير الاقتصادي فحسب بل وبدرجة متزايدة الأبعاد الاجتماعية والسياسية والثقافية والشخصية للمجتمع. ويحاول الفصل الثاني رسم المناطق الأساسية للخريطة الجغرافية الاقتصادية الجديدة.

ومن ثم بيان بعض الأسس الرئيسية لأهمية الجغرافيا بالنسبة إلى فهم عمليات العولمة وكذلك استكشاف القوى الثلاثة الأكثر أهمية وهى المنشآت متعددة الجنسية والدول والتقنية. ويتناول الفصل الثالث مجموعة واسعة من الأدلة والآراء لتحديد أسس اقتصادات المعرفة مركزاً على الدور التغييري الذي تقوم به المنشأة العالمية.

وفي سياق الجزء الثاني يسعى الفصل السادس إلى تبيان تأثير تكنولوجيا المعلومات في إطار الأنظمة الاقتصادية الرأسمالية ويرسم الانفجار في التنوع الاقتصادي الناجم عن التكنولوجيا الرفيعة. ويقرر ستين ثور الذي كتب هذا الفصل أن تعقد التقنيات المنبثقة يزيح النظام الاقتصادي القديم وينشئ نظاماً جديداً أصبح شكله الآن فقط قابلاً للإدراك، ويشير إلى أن الأدلة توضح أن تقنية المعلومات تعجل معدل التغير في اقتصادات السوق خالقة شروطاً للنمو المفرط التي تتطلب إدارة ماهرة لدورة حياة المنتجات.

ويرسم بول اكنز وهو أحد أبرز اقتصاديي العالم الذين ركزوا على التحدي الخاص بالبيئة السياسات الآمنة بيئياً التي تطورها الشركات والحكومات المؤمنة بالتقدم ويقدم استنتاجاته بأن التنمية المستدامة ستصبح بشكل متزايد هدفاً أساسياً للسياسة الحكومية والتحويل العام للنشاط باتجاه النشاط النظيف باعتباره أمراً ملحاً ولازماً للتنمية المستدامة وبغية ضمان مساهمة المنشآت في الأهداف الوطنية باتجاه التنمية المستدامة فإنها تتطلب أولاً وقبل كل شيء تطبيق نظام الإدارة البيئية ليمكنها من قياس ومراقبة تأثيراتها البيئية. ويقدم الفصل العاشر التجربة الناجحة في تطبيق هذه المفاهيم من قبل شركة الخطوط الجوية الألمانية.

وتعالج فصول الجزء الثالث سياسة عدم تدخل الحكومة والسياسة الصناعية على مستوى الاقتصاد الكلي مع فحص مجموعة من وجهات النظر بغية وصف ذلك الحيز الواسع الذي يقع بين الحدين المتطرفين للرأسمالية القائمة على سياسة عدم التدخل الحكومة والاشتراكية القائمة على سيطرة الدولة، فرغم اعتقاد معظم الناس اليوم بأن الاشتراكية قد ماتت، وأن الرأسمالية تنعم بالنصر، فإن هناك ارتباكاً هائلاً تحت سطح هذا الاعتقاد العام، حيث ان ثمة اقتصاديين كثر يعتقدون أن الأسواق وليست الرأسمالية هي التي تنتشر في المعمورة وأن هذين المفهومين لا يعنيان الشيء نفسه على الدوام.

وترسم فصول هذا الجزء نماذج للسياسة الاقتصادية مما جرى تطويرها في دول مختلفة من العالم بما في ذلك آخر الأفكار حول اقتصادات ما بعد الشيوعية ومصير الديمقراطية الاجتماعية ودولة الرفاهية والسياسة الصناعية والأشكال الجديدة للسياسة الاقتصادية.

ومن بين دراسات هذا الجزء مستقبل اقتصادات ما بعد الشيوعية من خلال بحث المحنة التي تواجه البلدان الشيوعية السابقة في مرحلة انتقالها العسير لتحرير الأسواق وينتقد روبرت بانتير القائم على دراسة هذا الجانب المبادرات الكلاسيكية الجديدة غريبة الطابع في البلدان الانتقالية رافضاً فرضية انسداد الطريق الثالث، مشيراً إلى أن نوعاً جديداً من التسوية الاجتماعية ينبثق الآن مما قد يؤدي إلى مؤسسات اقتصادية تختلف بشكل متميز عن الرأسمالية الأوروبية.

ويتناول الفصل الثالث عشر المنطق الاقتصادي للنظام الياباني وانطباع العالم عن اليابان والتغيرات الجارية فيها والمحن التي يلقيها التغير على منشأة الأعمال بالعلاقة مع الثقافة التقليدية في اليابان.

ويشير الكتاب إلى أن التوتر الديناميكي بين أولئك الذين يرغبون بإعادة بناء الماضي وأولئك الذين يتخيلون اليابان كبلد جديد ينتمي للقرن الحادي والعشرين سيتم حله عاجلاً وفقاً لما تمليه التوجهات الوطنية والدولية. ويتطرق الفصل الرابع عشر إلى تناول الاقتصاد السويدي بشكل خاص والاسكندنافي بشكل عام، ويطرح تساؤلاً يتعلق عما إذا كانت دولة الرفاهية في السويد ستتمكن من البقاء والاستمرار؟.ويقدم إجابة مفادها أن الطريق لمعالجة شيء من التحديات التي تواجه دولة الرفاهية وإزالة ما تواجهها من تصاعد العجز الديمقراطي تتطلب إحداث تغيير مثير وجذري للعلاقة بين الدولة ومواطنيها من خلال تطوير رفاهية اجتماعية على أساس المشاركة.

وفي الفصل الخامس عشر يحاول مارك لوتز وهو اقتصادي متخصص في حقل الاقتصاد البشري تقديم الأساس المنطقي في سياق مراجعة ناقدة لمفاهيم علم الاقتصاد وكيف أن هذه المراجعة قد تساعد على حل القضايا الصعبة التي تواجهنا جميعاً ونحن نلج القرن الحادي والعشرين.

وينتهي الكتاب إلى خمسة استنتاجات رئيسية منها احتمال تكامل اقتصادات القرن الحادي والعشرين وأن اقتصادات القرن قد تشهد المزيد من سياسة الحد من التدخل الحكومي، وأن الهدم البناء الناجم عن الانتقال لاقتصاد عالمي يقوم على المعرفة سوف يستمر في خلق الفوضى الاجتماعية إلى أن يتم تعريف أيديولوجيات جديدة، وأنه على المدى الطويل قد تطور اقتصادات القرن أسساً أيديولوجية جديدة تجسد إدارات متغيرة من سلوك السوق الحرة والتماسك الاجتماعي معاً ضمن سياق غرض وقيم ومعنى أرفع على الجانب الآخر من الألفية.

الكتاب: اقتصاد القرن الحادي والعشرين

الناشر: المنظمة العربية للترجمة بيروت بدعم مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم 2009

الصفحات: 624 صفحة

القطع: الكبير

مصطفى عبدالرازق