يتطرّق الدكتور عبد المالك أشهبون في كتابه «عتبات الكتابة في الرواية العربيّة»؛ إلى قضايا مهمة مُهمَلة ومهمَّشة في الكتابة الروائيّة العربيّة، معتمداً بشكل رئيس على كتاب جيرار جينيت «عتبات»، مع تطبيقات وممارسات على الرواية العربيّة، التي تكون محطّ الدراسة والاستشهاد..
محاولاً التعريف بموقع خطاب العتبات في الإبداع الأدبيّ بصفة عامّة، والخطاب الروائيّ بصفة خاصّة، انطلاقاً من مقولة هنري ميتران الذي انطلق في مقاربته للنصّ الروائيّ من اقتناع مبدئيّ: «انّه لا وجود لشيء محايد في الرواية». حيث تتكفّل العتبات، بتقديم الأثر الأدبيّ، والمساهمة في تيسير عملية الإحاطة الشاملة به في كلّيّته. كما تلعب دوراً رئيساً في تجسير العلاقة بين خارج النصّ وداخله. يناقش أشهبون عدداً من القضايا في دراسته، يحاول التفصيل فيها، وتقريبها إلى القارئ، ما أظهر دراسته مبسَّطة وتكاد أن تكون مدرسيّة في المقاربة والتبويب والتقسيم، حيث يناقش أهمية العتبات في النقد الحديث، ويظهر ابتعاد النقد العربيّ عن الخوض في هذا الغمار الحداثيّ، كما يؤكّد على الحاجة إلى الانفتاح على آفاق عتبات الكتابة الروائيّة.
يتناول المؤلف خطاب المقدَّمات في الرواية العربيّة، سارداً خطاب المقدّمات في النقد الغربيّ، ثمّ مستويات الخطاب التقديميّ، الذي ينقسم إلى ذاتيّ وغيريّ، ويمكن توصيفه بأنّه خطاب شارح، أو جداليّ، أو تبريريّ، أو استقطابيّ. مهمّته الحصول على قراءة ملائمة، من خلال استقطاب القرّاء.
يفصّل أيضاً في أبعاد ومغازي النصوص التوجيهيّة في الرواية العربيّة، ومدى قدرتها على تنبيه القارئ إلى ما يودّ الكاتب تنبيهه وتوجيهه إليه، كما يتناول قضايا الإهداء في الرواية العربيّة، عبر: التنوّع في صيغ الإهداء ومعانيه، إهداء العمل وأصنافه، قضايا إهداء النسخة.
ولا تخلو بعض الفصول من الطرافة والجدّة في الوقت نفسه، إذ يستحضر الكاتب قصصاً محاذية أو مرافقة لإهداء هذا الكاتب أو ذاك، كما يستحضر روايات بعض الروايات التي طالها المنع أو الحذف، ومنها مثلاً رواية «تلك الرائحة» لصنع الله إبراهيم التي لم تُنشر كاملة إلاّ بعد أكثر من خمس عشرة سنة من صدورها.
ينجح أشهبون في التركيز على بعض الظواهر المهمّشة في الكتابة العربيّة، من خلال لفت النظر إليها ووضعها على مِحكّ المساءلة والمناقشة والتنظير والتحليل، ويختم برغبة يجهر بها، وهي أن تغدو العتبات محطّات للتمحيص والمناقشة لا للعبور ومرور الكرام فقط، كما يشدّد على ضرورة خروج توقيعات الكتب والإهداءات الخاصّة إلى النور، «بحيث تصير تلك التوقيعات الخاصّة وثيقة أدبيّة في يد المحلّل».. وذلك رغبة في تأسيس نوع أدبيّ جديد، «يكاد يكون منعدماً عندنا من الآداب التي يمكن وصفها ب«الآداب غير الرسميّة»، من قبيل المراسلات والاعترافات والإهداءات الخاصّة».
ينبّه عبد الملك أشهبون إلى ضرورة وأهمية العتبات، التي من شأنها أن تضيء النصّ، وتستضيء به، في عملية إبداعيّة متكاملة ، بل يشاد بناؤها بالاعتماد على الأجزاء كلّها، ابتداء من العنوان وصفحة الغلاف الأولى، مروراً بالإهداء، المقدّمة، النصّ، الخاتمة، الفهرس، وحتّى الغلاف الأخير.. وبذا يبلغ الكتاب رسالته، وتغدو العتبات نصوصاً لا غنى عنها عند مقاربة أيّ كتاب..
العتبات الروائية
يناقش عبد المالك أشهبون مواضيع العتبات الروائيّة عند عدد من الروائيّين العرب، من مشرق العالم العربي ومغربه على السواء: نجيب محفوظ، حنّا مينة، محمّد عزالدين التازي، محمد شكري، يوسف السباعي، صنع الله إبراهيم، سليم بركات، عبد الرحمن منيف، جبرا جبرا، هاني الراهب، إميل حبيبي، حيدر حيدر... وغيرهم.
الكتاب: عتبات الكتابة في الرواية العربيّة
تأليف: عبد المالك أشهبون
الناشر: دار الحوار للنشر اللاذقية2009
الصفحات: 270 صفحة
القطع : المتوسط
هيثم حسين

