يقدم كتاب محمد مفتاح « المشروع النقدي المفتوح» مقاربة جماعية لمشروع هذا المفكر ومنهجه النقدي، وساهم فيها باحثون من المغرب وتونس والجزائر، ومن تخصصات مختلفة، الأمر الذي يساعد على التعرف على نتائج التلقي التي خلفتها كتابات محمد مفتاح لدى القارئ الأكاديمي العربي، والتي جاءت موزعة ما بين الدراسة الشاملة للمشروع في أبعاده السيميائية والتداولية.

والدراسة التي اهتمت على أحد المستويات التي تناولها مفتاح في كتاباته، مثل التحقيب والتصوف والترجمة. ويرى المؤلفون أن كتابات محمد مفتاح شكلت حدثاً ثقافياً عربياً، لأنها سلكت مسلكاً منهجياً مركباً، قارب نصوصاً متعددة وظواهر مختلفة، وأنتج فيضاً من المفاهيم والمرجعيات، التي حاول من خلالها مقاربة نصوص تراثية وحديثة، دينية وشعرية وحكائية وموسيقية وتاريخية وفلسفية. وقد يكون هذا التعدد منحها قيمة متميزة وجعل مقاربتها في حاجة إلى دراسات متعددة تتطلب من صاحبها، أو أصحابها، الإطلاع على علوم مختلفة ونظريات فلسفية متعددة وإحاطة بالخلفيات والمقاصد، أي انها في حاجة إلى قراءة المؤرخ والأنثروبولوجي، ومحلل الخطاب، والملم بنظريات الذكاء الاصطناعي والدراسات السيميائية والتداولية، والعارف بالتراث ومقوماته شعراً ونثراً، وإشكالاته التي كثيراً ما كان مصدرها المنهجية المتبناة، وما يمكن أن تقود إليه من نتائج تحصر المعرفة في قراءة أحادية الرؤية.

ويرى عبد اللطيف محفوظ أن مشروع محمد مفتاح، تميز بطابع مركب ومتطور، صاحبته الصرامة العلمية في توظيف المفاهيم والمصطلحات المستعارة وفي نحتها إذا كانت مبتكرة. وتظهر ذلك بوضوح، المتابعة الكرونولوجية لكتبه وإصداراته، ولعل عمقه ودقته يجدان أساسهما في منطلقه الذي انفتح على تحقيق التراث وقراءته، على نحو ما نجد في كتابه «تحقيق لسان الدين ابن الخطيب»، وذلك باعتبار التحقيق الجاد يسمح لممارسه بتملك آليات إنتاج الخطابات وضبط الأدوات الأولية للتعامل مع النصوص، والتحكم في علوم الآلة التي تتطلب مراساً وتعمقاً.

اهتم محمد مفتاح بالخطاب الصوفي أواخر السبعينيات والثمانينيات، وذلك في ظل تعاظم الاهتمام الكوني بالخطابات الهامشية والمهمشة؛ وسمحت له تلك الدراسة بتطوير الآلية المنهجية من خلال الانفتاح على المقاربات الأنثروبولوجية التي نبهت إلى إمكانية دراسة الخطاب الصوفي باعتباره خطاباً فاعلاً في المجتمع، وليس مجرد مسلكيات روحية. وعليه، فإن مقاربة محمد مفتاح لهذا الخطاب، وهي تبحث في وظائفه المجتمعية، بدت وكأنها دراسة أقرب إلى المنهجيات التداولية منها إلى شيء آخر.

تميز الكتاب بأنه غلّب الجوانب التطبيقية على التحديد الإجرائي والنظري للمفاهيم. أما كتاب «تحليل الخطاب الشعري» فجاء، على خلاف سابقه، مغلباً الطابع المنهجي المفاهيمي الذي طبقه على الخطاب الشعري، والذي ظل مشكلاً للمتن الأساسي لانشغاله، إلى أن جاء كتاب «دينامية النص» معلناً عن تحول هام على صعيد موضوعات الدراسة التي ترافقت بمقاربات منسجمة لنصوص مختلفة الانتماءات والحقول المعرفية.

وبرزت القدرة التعميمية عند محمد مفتاح من خلال الاشتغال على الخطاب البلاغي، وإعادة النظر في التصنيفات البلاغية القديمة، وفتح الدراسات العربية على آفاق جديدة تستمد مقوماتها من علم النفس المعرفي والذكاء الاصطناعي والبلاغة العامة وغيرها من الاجتهادات المنهجية الحديثة. وتجسد ذلك في كتابيه «مجهول البيان» و«التلقي والتأويل»، حيث عمل الأول على طرح المفاهيم، وتقديم التصورات الكفيلة بإعادة النظر في أسس البلاغة العربية القديمة، وسلك الثاني مسلك التظهير من خلال الاشتغال على متون متعددة، ومقاربتها انطلاقاً من المفاهيم ذاتها.

ويعتبر جمال بن دحمان أن تعدد الاهتمامات عند محمد مفتاح قاده إلى تنويع الأطر المرجعية والاعتماد على أساس مفاهيمي، لأن المفاهيم ميدان أمثل للعمل الفكري الخلاق، وأن الاشتغال بالمفاهيم - وفي ضوئها - يمثل جزءاً من النسق المحدد لتمثل المفكرين وتصنيفهم، ولعل هذه الخاصية هي ما يميز كتابات محمد مفتاح.ويقدم الكتاب مقارنة علمية جادة بين منهجية المفكر المغربي محمد عابد الجابري ومنهجية محمد مفتاح حيث يخلص إلى الاستنتاج بأن منهجية المشروع الفكري لمحمد مفتاح تعبر عن ثقافة التعايش والتفاعل والأخذ بالحد الوسط ورفض مبدأ الهوية بمعناه الأرسطي؛ مما يعني أن لكل نظام معرفي أدواراً يقوم بها.

الكتاب: محمد مفتاح المشروع النقدي المفتوح

تأليف: مجموعة من المؤلفين

الناشر: الدار العربية للعلوم ومنشورات

الاختلاف بيروت الجزائر2009

الصفحات: 239 صفحة

القطع: المتوسط

عمر كوش