إن المفارقة التي يثيرها كتاب «القبيلة والقبائلية أو هويات ما بعد الحداثة» لمؤلفه الناقد السعودي عبد الله الغذامي هي: لماذا نشهد اليوم صعودا حادا للنزعات الطائفية والقبائلية والعرقية في العالم، ونحن في زمن العقلانية والحرية والانفتاح الكوني؟. فكيف لهاتين الصورتين المتناقضتين أن تتعايشا في مجتمع واحد، فالعالم اليوم يشهد «عودة للهويات الأصولية بأقوى صيغها»، عودة انتقلت من مرحلة الكمون والظل إلى مرحلة المجاهرة السياسية والثقافية العلنية، بحيث لم يعد يتحرج أحد من تصنيف نفسه وفئته الاجتماعية تصنيفاً عرقياً أو قبائلياً أو طائفياً، لتصبح هذه الأشكال من الوجود الشكل الحقيقي الذي ينظم العلاقة بين فئات المجتمع المختلفة.

وإذا كان الكتاب يجمع كل النزعات العرقية والطائفية والقبائلية في مصطلح جامع هو «الهوية» فذلك لأن الهويات اليوم أجناس وألوان متداخلة، والحديث عن واحدة يعني الحديث عن الأخريات. واليوم، يبدو أن الشعوب، في زمن ما بعد الحداثة، تبحث عن هوياتها إما عن طريق الطائفية أو القبائلية أو العنصرية أو المذهبية. وهذه هي هويات ما بعد الحداثة.

والكتاب يتناول مشكلة صعود الأصوليات بشكل معمق يتجاوز التوصيف لينتقل إلى الأسباب البعيدة لعودة مثل تلك «الهويات الجذرية»، هذه الأسباب التي يمكن لقارئ الكتاب أن يلخصها بالآتي:

1 - الخوف الأسطوري: ويقصد به المؤلف، خوف البشرية على مستقبلها من مشاكل الحروب والدمار ونقص المياه وما إلى ذلك. فهذه المشاكل جعلت الشعوب تخاف على مستقبلها ووجودها، الأمر الذي دفعها إلى الانكفاء على ذاتها وتحصينها كوسيلة نفسية للتصدي لتلك المشكلات.

2 - تقهقر الطبقة الوسطى، بوصفها الحامل الموضوعي لمشاريع التحرر والعقلانية. والمعروف عن الطبقات الوسطى في المجتمع أنها هي التي تدافع عن المشاريع الإنسانية والقيم الأخلاقية والجوانب المثالية، على عكس الفئات الفقيرة فقراً مدقعاً أو الغنية غنيً فاحشاً، التي تهتم بالربح والقيم المادية.

3 - انتصار قيم الريف والبداوة على قيم المدينة والتحضر: وهي فكرة استقاها الغذامي من التحليل الاجتماعي عند ابن خلدون. فالشعور بالانتماء للقبيلة اليوم هو مطلب «نفسي واجتماعي وقيمي»، في حين تبرأت غالبية الفئات الاجتماعية التي تعيش في المجتمع السعودي مثلاً من «مدنيتها»، بحيث أصبح النسب والأصل وهو المحك الحقيقي للمكانة الاجتماعية وهو الذي يجلب المجد والسلطة. وهذه الظاهرة، أي ترييف المدينة، تناولها علم الاجتماع العربي في مناسبات عديدة واعتبرها أحدى معوقات التقدم الاجتماعي. ولذلك نجد أن بعض علماء الاجتماع يرى بأن المدن الكبرى والحديثة جداً لا تختلف في عاداتها وسلوكياتها وقيمها عن القبائل القديمة.

4 - انهيار المشروع الكوني في التعليم: ويقصد به المؤلف أن البشرية كانت تظن بأن غالبية مشاكلها الاجتماعية والثقافية يمكن للعلم والتربية والتعليم أن تتصدى لها. في حين أن ذلك لم يحدث، بل على العكس من ذلك إذ أصبحت الأمراض الثقافية «تعصب، تطرف..» أكثر انتشاراً في المجتمعات الحديثة.

5 - تغوّل العولمة وآليات الاقتصاد الحر: الأمر الذي أدى إلى انتصار القيم المادية على القيم المثالية، بحيث غابت قيم المودة والرحمة والإخلاص وانتصرت قيم المصلحة وحسابات الربح والخسارة.

بعد هذا التحليل الاجتماعي الفلسفي المركّز لأسباب العودة إلى الأصوليات في العالم اليوم، يبدأ الكاتب بالانتقال من المستوى العالمي إلى المستوى المحلي ويتفرغ لتحليل مسألة القبائلية وتاريخها في البلاد العربية وموقف الإسلام منها. أما الإسلام فإنه مع القبيلة ولكنه ضد القبائلية، لأنها نظام أخلاقي قيمي يشجع على قيم المحبة والتسامح والتعاون، في حين أن القبائلية نسق إقصائي عصبي.

رشيد الحاج صالح