هل يمكن أن نتخيل العالم من دون زهور؟ سيكون بالتأكيد أقل جمالاً وأكثر وحشة. ازدهرت تجارة الزهور في العالم حيث تقوم الدول التي تتمتع بأجواء معتدلة أو حارة بتصدير زهورها للبلدان الواقعة في المناطق الباردة. والإمارات من البلدان الصحراوية النادرة التي تقوم بزراعة الزهور بفضل موقعها الجغرافي كجسر بين أوروبا وآسيا، يؤهلها لهذه المهمة، وتصبح بذلك من البلدان الأساسية في نشر ثقافة الزهور، فهل تصبح دبي عاصمة للزهور؟
هناك من يقول إن العرب يفتقرون إلى ثقافة الزهور، ولو عدنا إلى أقدم قاموس وهو «لسان العرب»، لرأيناه مكتظاً بأسماء الزهور وأنواعها ومعانيها التي لا تُعد ولا تُحصى مثل: شقائق النعمان / شوق وانتظار. الأوركيد/ الحسناء. الفلامنجو/ حسن الضيافة. عصفور الجنة/ الفرج والابتهاج. الزنبق/ قمة الجمال. التوليب/ التصريح بالحب. القرنفل/ الجمال والكبرياء. زهرة الأقحوان/ الولاء والإخلاص. النرجس / الشهرة والنخوة. الياقوت/ الوفاء. السوسن/ المديح. زهرة الشمس/ النية الصافية. ولا نريد أن نتعمق في معاني: الجلنار والأرجوان والخزامى والورد الجوري والياسمين واللبانة والمرجان.. والقائمة طويلة. ولو أحصينا كم رجلاً عربياً يقدم باقة زهور إلى زوجته لوجدنا أن من يقدمون المجوهرات والألماس والذهب يفوقون أصحاب الزهور.
ويكفي أن نقول أن العرب استوحوا الزخارف والنقوش من الزهور بل وعالجوا بها أخطر الأمراض التي تتعلق بالعقل والشعور والصحة النفسية. ومن المعروف أن الزهور في العالم الغربي تدل على الرفاهية، وبحسب جاب كراس، رئيس تحرير المجلة الشهرية المتخصصة في الزهور «فلوراكالشر انترنشنال» :« أن البلدان التي تتخطى تطمين الطعام والسكن هي التي تتجه نحو استهلاك الزهور علماً بأن الأديان جميعها لا تخلو من تقاليد استخدام الزهور سواء في الزواج والحياة وما بعد الممات». وعلى الرغم من أننا لا نستخدم الزهور في حياتنا اليومية مثل الأجانب إلا أن الطلب عليه بدأ يزداد مع نشوء أسواقها التجارية في البلدان العربية، بل أن بعضها تجاوز ذلك إلى إنتاج الزهور وتصديرها إلى الخارج مثل إمارة دبي.
لذا أصبحت رؤية الزهور في شوارع الإمارات وساحاتها وواجهات أسواقها أمراً طبيعياً في الآونة الأخيرة، تضفي جماليات أخاذة على مظهر المدن. إنها سجاجيد ملونة ومزركشة، تفرش الساحات والشوارع والأرصفة. كانت دبي تستورد الزهور قبل أن تنتجها لنفسها وتسد احتياجاتها المحلية والآن تفكر بتصديرها. مدحت السيد شريف، خبير زراعي في إدارة الحدائق العامة في بلدية دبي، يؤكد « بأن دبي بيئة مشجعة لإنتاج الزهور على مدار العام، وهي قادرة على أن تطمئن احتياجات دول الخليج لأنها منطقة متوسطة بإمكانها أن تنتج بسهولة أزهار القرنفل والورد البلدي والأستر والداليا وغيرها من الأنواع دون الحاجة إلى التكييف. إضافة إلى أنها تتوفر على الموارد المالية والبشرية والخبرات العلمية».
مريم النوري التي تشغل عضوية مجلس سيدات الأعمال في دبي والإمارات ومركز نائب الرئيس في جمعية الإمارات للزهور والنباتات والمدير العام لشركة انتر فلورا لتجارة الزهور والنباتات، والفائزة بجائزة «فيفا تورسا لورينزو العالمية» تؤكد على أن الزهور دخلت في نسيج الحياة العربية. ومن المعروف أن الدول ذات المناخ الصحراوي تستخدم الزهور الاصطناعية في السابق لكن مريم النوري تقول: «الزهور الاصطناعية لا تضاهي الطبيعية حتى ولو طُليت بالذهب».
سيدة الزهور، لم تكتف بذلك بل اخترعت أكبر شركة تهجين للزهور وأنتجت وردة باسمها لكنها لم تدخل الأسواق بعد لأنها في مرحلة التجريب. ولكنها قامت بزراعتها وإنتاجها في كل من ايطاليا وأمريكا وسويسرا بعد فحص صلاحية تربتها لإنتاج هذه الزهرة الإماراتية. ولهذه الوردة صفات معينة وتزرع حالياً في أميركا أيضاً، وهي تنمو على ارتفاع نحو متر ونصف، ويكون لونها أغمق. وعندما تتفتح الزهرة يتفتح لونها بالتدريج وتعطي عطرها وتعيش عشرين يوما.
وتقوم جمعية الإمارات صلات قوية مع المنتجين والموردين وكل الأشخاص الذين يقفون وراء إنتاج الزهور وتقوم بعمل جمالي يتعلق بكيفية ترتيب الوردة الواحدة أم باقة الورود وكيف نراها في المكاتب أو في المراكز التجارية.
تتميز دبي بأنها تتحول إلى مركز عالمي للزهور لأنها تتوفر على بنية تحتية تساعدها للعب هذا الدور من حركات شحن وطائرات وترانزيت، فهي أنسب مكان لإعادة تصديرها حول العالم. دبي متمركزة في نصف العالم، كما تقول مريم النوري: «على سبيل المثال، يمكننا إيصال الزهور إلى اليابان في غضون عشر ساعات فقط وكذلك إلى أفريقيا وأمريكا بفضل الخطوط المباشرة التي لا تتوفر في العالم. ولو نقارن بين أول شحنة ورود طلبناها وما بين ما نطلبه الآن من خلال زيادة الطلب على الزهور بنسبة 100 بالمئة عن العام الماضي». ويمكن القول إن الزبائن يزدادون يوماً بعد آخر.
تمر الزهور بمراحل كثيرة إلى أن تصل إلى المستهلك. ولا يمكن أن ننسى أن معارض الزهور هي من أكبر المعارض في العالم آلياتها وأكسسوارتها ولوازمها تعادل أضعاف المعارض الأخرى.
وتضفي ثقافة الزهور جواً مسالماً وهادئاً تجعل الإنسان يشعر بالتفاؤل. وتغطي دبي سوقاً ضخمة تمتد من هولندا وفرنسا والأكوادور وزمبابوي ومصر وتايلاند وسريلانكا إضافة إلى السوق الخليجي في العام المقبل. غالباً ما يتم الحديث عن الزهور بروح رومانسية، لكنها أصبحت سوقاً وتتطور مثل سوق البترول والموسيقى والبورصة. وكما في سوق الذهب الأسود، يتم بيع فائض الإنتاج من أجل جني الأرباح، يتم زيادة البيع في بورصة الزهور من فائض الإنتاج أيضاً: الأول يرفد شريان الحياة بالطاقة والآخر يرفده بالعطر والجمال والحب.
استهلاك الزهور في العالم ـ باستخدام المصطلح الاقتصادي ـ كما تذكر «بورصة الزهور» الهولندية يصل إلى ملياري زهرة سنوياً، فضلاً عن ؟؟؟ مليون نبات زهري، هي حجم هذه التجارة في البورصة التي تقوم بتنفيذ ؟؟
ألف صفقة يومياً، وتصل قيمتها إلى ؟؟ مليار يورو سنوياً وتتعامل معها كل من الولايات المتحدة واليابان وأوروبا وإفريقيا، عبر الطائرات تخزنها بدقة متناهية لا تضاهيها سوى دقة عمل الساعة. يوجد في منطقة «السمير» الهولندية مزاد عالمي لبيع وشراء الزهور، ويتجمع مصدّروها ومستوردوها من كل مكان.. ويتم تخصيص نسبة من ثمنها الذي يحصل عليه أصحاب المزارع لمصلحة البورصة نظير تسهيل عمليات البيع التي تصل نسبتها أحياناً إلى ؟
0 بالمئة ، لأن الأهم في هذه التجارة هو تصريف وبيع الزهور، لأنها ليست «بضاعة» للتخزين، يُضاف إلى ذلك النسبة التي يدفعها المشترون مقابل خدمات الشراء في المزاد. في بورصة «السمير»، أهم بورصة للزهور في العالم، جنوب العاصمة أمستردام، تقطف الزهور في الساعة السادسة صباحاً، حيث ينغمس تجار المهنة في إلقاء نظرة أخيرة على الشاشات الإلكترونية الثلاث المثبتة في عمق الصالة، لقراءة سيرة حياة الزهور: أصولها وأنواعها ومزارعوها ونسبها وحسبها وأصولها العائلية.
ويخطئ من يتصور بأن بيع الزهور هو نشاط فولكلوري ليس إلا إذ أن حجم هذه التجارة وصلت إلى 40 مليار يورو يدل وهو ما يعادل سوق الموسيقى والأسطوانات بحسب آمي ستيوارت، مؤلف كتاب «اعترافات الزهرة».
وهناك جانب من هذه السوق لا يتم حسابها لأن تجارتها في آسيا لا تزال سوقاً تقليدية لا تدخل ضمن الإحصائيات والأرقام التجارية وعلى الخصوص بعد ظهور أسواق زهور جديدة في كل من روسيا والبرازيل والصين.
الأسعار تبدأ من يورو واحد لكل زهرة، لكنها لا تبقى ثابتة. وفي ساعات قليلة، يتم بيع ؟؟ مليون زهرة مقطوعة ومليوني نبتة، تودع لبائعي الجملة، ثم تُغلَّف ويتم توزيعها بطائرات خاصة إلى أنحاء أوروبا والعالم. وتزداد هذه التجارة نمواً نتيجة لتزايد الطلب على الزهور، حيث يتم بيع ما بين ؟ و؟ ملايين زهرة في اليوم.
ولعل أهم ما يميز هولندا هو الخدمات التي تقدمها ما بعد مرحلة البيع، وخصوصاً السرعة، فعلى سبيل المثال أن الزهرة المقطوفة في تانزاينا تباع في باريس بعد مرور 48 ساعة فقط، مع كل عمليات الحفظ والتغليف. أما بالنسبة للمنتج فيحصل على أمواله بعد مرور أسبوع واحد على عمليات البيع. وفي هذا المجال تلعب السرعة دوراً حاسماً في هذه التجارة.
فليس من السهل أن تقوم الشركات الهولندية بعد مرور ساعتين على البيع تسويق 19 مليون زهرة إلى 300 مخزن مختلف يقع في مركز مساحته مليون متر مربع. والهولنديون بارعون في الموازنة بين العرض والطلب. والآن دبي مقبلة على منافسة أكبر مركز لتوزيع الزهور في العالم.
مليارا زهرة الاستهلاك العالمي سنويا
يستهلك العالم سنويا ملياري وردة وأكثر من مئتي مليون نبات زهري تتوزع على أميركا وأوروبا واليابان وبعض البلدان الافريقية. وهناك بورصة للورود في هولندا هي الأكبر في العالم تعقد فيها كل يوم أكثر من سبعين صفقة تصل معدلاتها إلى ملايين الدولارات وتدر على هولندا وحدها خمسين ألف دولار يوميا. للورود أسعار أيضا.. ففيها ما يباع مفردا أو على شكل باقة قد تصل أسعار بعضها إلى أكثر من سبعين دولارا للباقة. وعادة ما تقدم هذه الورود إلى سيدات المقام الراقي والأميرات ونجمات الفن الخارقات الجمال. تعتبر هولندا اكبر دولة مصدرة للورود وتسهم هذه التجارة في تنمية الاقتصاد الهولندي بشكل مهم للغاية.
فلا يوجد في هولندا نفط أو غاز أو كبريت. وكل ما لديها ورود وأبقار وصناعات خفيفة ، ومن هذه المصادر استطاع الاقتصاد الهولندي أن يتطور بسرعة بحيث أصبحت هولندا بلدا غنيا من تجارة الورود والأجبان. تزرع في هولندا مئات الهكتارات بالورود.. ومن يشاهد المساحات المزروعة بالورود من الطائرة سيصاب بالدهشة لأنها تبدو أشبه بلوحة فنية رائعة بألوانها المشرقة القوية الزاهية.. أو مثل سجادة متعددة الألوان تمتد على مساحات واسعة من الأرض.
بالإضافة إلى مزارع الورد في هولندا فأن الكثير من الورود المختلفة تأتي إلى هولندا من مزارعها التي تستثمرها في كينيا وأوغندا وشمال افريقيا. وتمتاز هذه الورود بندرتها وغلاء ثمنها في بلدان أوروبا الباردة في الشتاء. تصدر الزهور عن طريق طائرات خاصة إلى شتى أنحاء العالم. وغالبا ما تكون هذه الطائرات مجهزة بمبردات لحماية الزهور من التلف. ويعمل في هذا القطاع من التجارة عدد كبير من العمال والخبراء الذين يقومون بفحص الورود قبل عرضها في البورصة.
شاكر نوري



