الشاعرية هي اللحظة التي نشعر فيها بصورة ما أننا أصبحنا طي عالم النوم إذ يكون استسلام طوعيٌّ من قبلنا لما يمكن اعتباره الخدر اللذيذ الذي نشتهيه.
ما هو النوم؟ إنه حالة توقف الوعي عن ممارسة نشاطه! ربما ببساطة كهذه نختزل حياتنا ونبخس النوم حقه فهو ليس نومنا، نوم الآخر مثيلنا أو ما هو أدنى منا كما يصنَّف: من حيوان ونبات، إنما ما نعتبره نومنا لأن النوم بسلطانه لا يتبعنا بقدر ما ننشدُّ إليه برغبة لا مهرب لنا منها، وبالتالي فإن ما يُعزى إلى النوم على أنه الحد الأدنى من النشاط الحيوي كأننا نتحدث عما لا يهمُّنا شأنه، إن غرائبية النوم تترجِم تآلفيةَ المعتاد فينا!
والشاعرية هي اللحظة التي نشعر فيها بصورة ما أننا أصبحنا طي عالم النوم إذ يكون استسلام طوعيٌّ من قبلنا لما يمكن اعتباره الخدر اللذيذ الذي نشتهيه ونحن لا نسمّيه بما أن كل تسمية تردنا إلى لحظتنا المثقلة بالمألوف، هي لحظة غير معتبَرة بمقاييسنا من ناحية الزمن، إنما تتوقف على ما نتنفسه روحياً خارج صدفتنا اللحمية من جهة وما يتخللها زمنياً عندما ندرك لحظة التذكر أن ثمة ما يتسرب داخلنا ويقطعنا متحدياً وعينا اليومي!
نعم، سيكون في وسع الكثيرين كأسلافهم جواز التعبير عن الراحة المقتنَصة أو الموعودين بها لحظة خلودهم إلى النوم، عن صراحتهم المباشرة في «الهرب من حياتهم الواعية» تلك، عن نبذهم لسلطة الحياة الواعية ورغبتهم في سلطان النوم، وحالة البتر الفظيعة التي يمارسونها يومياً. إن ما يُمنح علنياً في مستوى الوعي المألوف يُعزَّز ويعمَّق بأثره في النوم، وما يتم استبصاره في النهار هو ما يجري تبصُّره في الليل بطريقة أخرى.
حيث إن الليل ليس شعراً إذا كان النهار نثراً لا يكلّف المرء الكثيرَ ليعرّف بنفسه، إنما الوعي هو ما نُسأل عنه من قبل الآخر، أما في النوم فنُسأل في أنفسنا دون إبعاد الآخرين. النوم ليس المهمَل في حياتنا وهو داخل في حياتنا هذه، إنما هو في طبيعته إن أردنا مكاشفة مكوّنه، أو عالمه «السحري» بلغة الهائمين به القلعة ذات الأبواب السبعة والتي لا يرتادها أو يجول أو يقيم فيها وبالتناوب من غرفة نوعية إلى أخرى، إلا من أوتي حظاً من الحضور في عمق الذات وليس سواها.
العباقرة والذين يباغتون سواهم بالمدهش هم «زبائن» القلعة تلك، قلعتهم التي تحمل أسماءهم والعلامات الفارقة لهم مثلما هي مُعَدَّة لهم خير إعداد تناسباً مع إرادة القوة النفسية والذوقية للعالم فيهم.
ليس من استثناء في هذا المضمار، كلٌّ منا مجاز بها، إنما يتطلب ذلك وعياً من نوع آخر لاكتشاف المُعطى له وهو في حل عنها. أن نعي وكما ينبغي أن يكون الوعي، لا يعني أن ننفصل عما لا يمكن الانفصال عنه، أي نعزل نهارنا عن ليلنا، نومنا عن صحونا كما هو الشائع كثيراً، حيث الصحو لا يكون حالة اليقظة إنما حالة التنبه من خلال لغة مكتسبَة وجرى التدرب عليها، أما النوم فصحو قائم إنما هو مناخ غائم في طبيعة ساحرة لا يدرك محاسنها إلا من هو مطّلع على مفاتنها.
الفتنة ليست أكثر من الوقوع في هوى الآخر دون الخروج منه، والذين يضفون على النوم طابع السحرية إذ يستسلمون لخفَّته إنما يمارسون انتحاراً يومياً في الوضعية هذه، ووحدهم الذين ينتظرون في النوم ما ينتظره المسكون بمخاض قصيدة فلتة، أو مسألة رياضية انقلابية على تاريخها همو من استوعبوا لغة النوم، درسه اليومي، فعل مفاتنه وقد زيدوا من فرص الحياة الأجمل.
ولعل فرويد وهو يتحدث عن الأحلام في تفسيره المشهور كان مستشرفاً حدود النوم والوعي المطلوب له، إذ صاهرَه باللاوعي تجاوزاً، ولكن عالم النوم الأجاجي والأحاجي الطابع يتداخل فيه سهلنا المعتاد وعصيُّنا اللامألوف، إنه قريبنا الجسدي، أهليّنا الذي نتجاهله وهو كائن فينا، حالة الملكية المثلى في قلعتها المتاحة والمباحة للجميع إذا ما أدرك هؤلاء الجميع كيف يعيشون حيواتهم جميعاً.
ثمة من يخاف النوم باعتباره خروجاً عن سيطرة الذات وهذا عائد إلى العمل اليومي «الواعي» وهو جانب آخر يظهر عظمة النوم والمنتظَر منه. إن الغطاء الذي يوفّره الوعي المألوف لصاحبه يماثله غطاء أكثر غنى وروعة يوفّره النوم، ذاك الذي يعيش إبداعه اليومي المتواصل واطمئنانه النفسي إلا أن الذي يؤدّيه وينتظره على مدار الساعة يندرج في نطاق سجلّه الشخصي يتجاوز ذاته الضيقة. نعم، النوم هو القلعة ذات الأبواب السبعة ومن الطبيعي إذاً أن ليس في وسع أيٍّ كان، السكنى في القلاع وتمثيلها أو وهي تسمّيه في وضح النهار!
إبراهيم محمود
