أولى عالم الاجتماع الفرنسي روبير كاستل اهتمامه باستمرار للمسائل الاجتماعية وآليات عمل المجتمعات الاستهلاكية الغربية، وهو يبحث في كتابه الأخير ظاهرة «تصاعد أشكال القلق الاجتماعي» من زاوية العمل وفرصه وأشكال الحماية الاجتماعية وخاصة من زاوية مكانة الفرد في المجتمع.
يؤكد المؤلف على وجود «قطيعة في العلاقة بين الأفراد». ويعيد السبب الجوهري لهذه القطيعة إلى اقتصاد السوق الذي يعمل بعيدا عن المؤسسات ذات الطبيعة الجماعية. بالطبع مثل هذه القطيعة لا بد أن يكون لها آثارها على التلاحم الاجتماعي، إذ يغدو الأفراد لا يهتمّون سوى بمصالحهم الذاتية الخاصة. بهذا المعنى يؤرّخ المؤلف، من وجهة نظر سوسيولوجية لما أصبح يُعرف ب«الشرخ الاجتماعي» في الغرب اليوم.
ويعود روبير كاستل إلى نفس التشخيص الذي كان قد قدمه سابقا «القائل أن علاقات العمل والأجور التي شكّلت باستمرار «الاسمنت» الحقيقي للمجتمعات الحديثة أخذت تتضاءل بفعل مجموعة من الحركات. وبالتوازي مع هذا تضاءل أيضاً دور الدولة الذي تكمن مهمته الرئيسية في «ضمان التلاحم الاجتماعي».
ويعيد كاستل إلى الأذهان حالة أولئك العاملين البسطاء، أو ما عُرف بـ «العاملة البائسة» التي كانت تمثل شرائح كبيرة من «الشعب». وفي تلك الفترة المحددة في سنوات السبعينات الداخلة في إطار ما عُرف بـ «الثلاثينات المجيدة»، أي العقود الثلاثة التي أعقبت الحرب العالمية الثانية. في تلك الفترة كان الجميع يعتقدون أن «الغد سوف يكون أفضل من اليوم». وهذا ما يطلق عليه المؤلف تسمية «التقدم الاجتماعي».
ولا يتردد روبير كاستل في القول أن فرنسا قد دخلت، بصورة ما، في «عصر هشاشة العمل». وذلك بمعنى أن أعدادا متزايدة من العاملين لم تعد تؤمّن لهم أعمالهم الحد الأدنى المطلوب من أجل الحصول على الحد الأدنى من الاستقلال الاقتصادي، وبالتالي الاستقلال الاجتماعي.
وتأتي خطورة مثل هذه «الهشاشة» حسب رأي المؤلف، من واقع أنها أصبحت تتسم بـ «الدوام» والاستمرارية على عكس أشكال الهشاشة في الماضي والتي لم تكن في أغلب الأحوال سوى «لحظة عابرة» قد يعاني منها الشباب في أعمالهم العابرة قبل الحصول على عمل دائم.
لكن بالمقابل هناك فئات عديدة وتتزايد أكثر فأكثر ممن أصبحت «الهشاشة» ملازمة لفرص العمل التي يشغلونها.
وهناك ظاهرة جديدة يؤكد عليها المؤلف وهي بروز أشكال جديدة من «الظلم» أو «الإحساس بالظلم» من قبل شرائح كبيرة.
هذا على عكس ما كان سائدا في الماضي حيث كان يتم بسهولة قبول أن يكون دخل صاحب المؤهلات العلمية والخبرة أكبر بـ «قليل» من العامل الذي لا يملك الكثير من المؤهلات. لكن اليوم أصبح الفارق يصل أحيانا إلى مئات الأضعاف، الأمر الذي يرى به الكثير نوعا من «الفضيحة».
في المحصلة يحاول المؤلف في أقسام الكتاب الثلاثة النتائج المتنوعة والكثيرة للتبدل الذي عرفه سوق العمل والتي ولّدت أشكالا من الإحساس بغياب الأمن الاجتماعي.
ويرى أنه لا بد في مواجهة مثل هذه الحالة أن تعيد النظر في دورها وأن تكون «دولة اجتماعية» بالفعل وفي مجتمع تتعمق النزعة الفردية فيه أكثر فأكثر.
السوق والمنافسة
ما يتم تأكيده هو أن مفهوم السوق الكبير هو بصدد أن يخرّب كل شيء. وخاصة يساهم في زيادة هشاشة بعض الفئات الاجتماعية، بما في ذلك بعض فئات الموظفين والعاملين ولكن أيضاً وخاصة العاطلين عن العمل. وزيادة المنافسة بالتوازي مع زيادة الضغط على مصادر التمويل العام. وساهمت في تعميق الشرخ الاجتماعي السياسات الاجتماعية المتعاقبة.
المؤلف في سطور
روبير كاستل، عالم اجتماع فرنسي. وهو مؤلف العديد من الكتب في عدادها «الملكية الخاصة والملكية الاجتماعية وملكية الذات» و«غياب الأمن الاجتماعي» و«التمييز السلبي»، وذلك بمعنى المعارض لـ «التمييز الإيجابي» القائل بإعطاء امتيازات لبعض الأقليات في فرنسا من أجل تحسين اندماجها الاجتماعي.
الكتاب: تصاعد أشكال القلق الاجتماعي
تأليف: روبير كاستل
الناشر: سويل ـ باريس 2009
الصفحات: 457 صفحة
القطع: المتوسط
La montée des incertitudes
Robert Castel
Seuil - Paris- 2009
P. 457
