«الدماغ الساحر» هو الكتاب الأخير للطبيب النفساني والأستاذ في جامعة السوربون «رولان جوفان». وموضوعه هو البحث في آلية الانتقال من «الواقع إلى المتعة النفسانية»، كما يقول عنوانه الفرعي.
يبدأ المؤلف تحليلاته بطرح سؤال تمكن صياغته كالتالي: عندما نتذكّر مشاجرة حدثت أو عندما نروي وقائع تلك المشاجرة، ألا نخلط بين ما مكناه مع ما كان ربما ينبغي أن نقوله؟ وسؤال آخر على خلفية السؤال الأول: ألا نفعل ذلك من أجل أن نوجّه لمصلحتنا رهانا لم يكن في الواقع بصالحنا؟ إن «الدماغ الساحر» هو بالتحديد، كما يعرفه المؤلف، هو تلك القدرة التي يمتلكها دماغنا ويعطينا بالاعتماد عليها تصورا للواقع يجنّبنا، أي التصور، الوقوع في فخ القلق أو عدم الرضى. بل وأكثر من ذلك قد يمنحنا ذلك «الدماغ الساحر» درجة من الرضى ومن الاستمتاع. ويشرح مؤلف هذا الكتاب أن تعرّض هذا الدماغ للإصابة أو الخلل تبدو على صاحبه أعراض «الخلل النفساني». ويشير رولان جوفان إلى أن التقدم الكبير الذي حققته العلوم العصبية قد أظهر أن هناك دورا «بيولوجيا» في النشاط الدماغي بخصوص قراءة ما يجري جوله أو التعليق عليه. ويتبدّى هذا الدور عبر «نشاط كهربائي دماغي». لكن الإنسان يغدو عبر مسيرة حياته وخصوصياتها مبرمجا لممارسة سبيل محدد في «التفكير بالعالم وإعادة صياغته بالطريقة التي تروق له». الواقع له معطياته لكن دماغنا يدفعنا إلى رسم الصورة التي نريدها لهذا الواقع. ومثل هذه «التصورات» والنشاط والمتخيل والرؤى هي أيضاً بمثابة «فسحة تسمح للدماغ نفسه بالتنفس».
ويتم التأكيد في هذا السياق على القدرة الخلاّقة التي يمنحها «التخيّل» و«تصوّر» عيش الواقع. المثال البسيط الذي يضربه المؤلف هو قوله أنه إذا تناول الإنسان كوبا من المثلّجات أو تصور أنه يتناول، إنما يثير تقريبا نفس النشاط العصبي. ويرى المؤلف أن قدرة «التصوّر» تمثل إحدى أكبر خصوصيات الدماغ الإنساني.
وبواسطة هذه القدرة على «التخيّل» و«تصوّر» فعل ما لا يفعله الإنسان، يستطيع أن يسيطر على سلوكه أو يستطيع التحلّي بالصبر عندما لا يتمكن من تلبية متطلباته الحياتية والبدنية. بهذا المعنى يلعب «الدماغ الساحر» دور «المنظّم» الذي يضبط التوازنات الاقتصادية والمالية، ذلك أنه هو الذي يضبط العلاقة بين معطيات الواقع وبين ما يجعلنا نقبل، أو على الأقل نتأقلم، مع هذه المعطيات. إن الكثير من التبريرات التي يلجأ إليها البشر هي نتاج، واعٍ أو في اللاوعي، لنشاط «الدماغ الساحر».
ويقيم رولان جوفان مقارنة بين تركيب الدماغ وبين العلاقة بين الحصان والفارس. فالحصان، كما يقدمه، هو الجزء «الأكثر قدما» في دماغنا، إنه «الحيوان القابع بنا»، كما يدرس الانفعالات والحواس والحاجات «البدائية». هذا «الحصان» تتحكم به الغرائز وردود الأفعال السريعة. إنه هو الذي يدفعنا للتراجع سريعا إلى الوراء عند سماع ضجيج سيارة قادمة «دون تفكير».
فقط نحتاج عندها إلى «سرعة الحيوان». بعد ذلك يأتي دور «الفارس» الذي يحاول إعادة «رسم مسار الحدث» عبر التفكير بسرعة السيارة المفرطة أو بالتنظيم السيئ لحركة المرور أو أن «الحظ» قد أنقذ الشخص المعني، ما يؤكده المؤلف أنه لا يمكن للحصان وللفارس العيش أحدهما دون الآخر.
ويؤكد رولان جوفان في المحصلة أن دماغنا يستطيع أن «يعالج» بنفس الوقت عدة معلومات، لكن بطريقة لا واعية. أما الوعي فإنه «لا يقبل التوزع». لذلك لا يمكن للمرء أن يحلم بشيئين في وقت واحد، ولا يمكنه تصور نفسه أنه في نفس اللحظة يسبح في البحر الكاريبي ويتنزّه على ضفاف المتوسط.
سلاح الذكاء
يحدد المؤلف فرقا كبيرا بين عالم «الديناصورات» الذي كان فيه الأكبر حجما والأقوى بدنيا هو الذي يحظى بالسيطرة وبين عالم اليوم حيث أن «الأكثر ذكاء هو الأكثر قوة. وبواسطة هذا «الذكاء» استطاع الإنسان الهيمنة على من هم، وما هو حوله.
المؤلف في سطور
يعمل رولان جوفان، مؤلف هذا الكتاب، أستاذا للطب النفسي في جامعة السوربون، وهو يمارس إلى جانب مهنة التدريس العلاج النفساني. كما عمل مديرا للأبحاث في المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي. من مؤلفاته: «من الوهن العصبي إلى الانهيار المتكرر».
الكتاب: الدماغ الساحر
تأليف: رولان جوفان
الناشر: اوديل جاكوب ـ باريس 2009
الصفحات: 252 صفحة
القطع: المتوسط
Le cerveau magicien
Roland Jouvent
Odile Jacob -Paris2009
P.252

