تحرص الشاعرة والروائية الكندية آن مايكلز على تجنب إجراء اللقاء والحوارات، بل وحتى قراءة نصوصها في لقاءات عامة، ومن هنا شكل الحوار الذي أجرته صحيفة «غارديان» استثناء مهماً من القاعدة التي درجت عليها الكاتبة الكندية على امتداد عقدين من الزمان، وفي هذا اللقاء شددت على الأهمية الخاصة للشعر في عالمها الإبداعي، وأوضحت أن الرواية بالنسبة لها جسر لسبر أغوار التاريخ والحزن، وشددت على أن التجارب الكبرى في حياة البشر، وألقت الضوء على طبعية العلاقة بين روايتها الأولى والثانية، والسر في أن الفاصل الزمني بينهما امتد قرابة ثلاثة عشر عاماً. وفيما يلي نص اللقاء:

شكلت رواية آن مايكلز الأولى، الصادرة في عام 1997 تحت عنوان «مقطوعات هاربة» ظاهرة أصيلة لازيف فيها، حيث تروي القصة المفعمة بالعذاب لجاكوب بير، الذي عرف اليتم خلال الاحتلال النازي لبولندا، وأنقذه باحث جيولوجي قام بتهريبه إلى موطنه في اليونان، وقد قوبل هذا العمل بحماس بالغ من قبل النقاد والقراء على السواء، وحصد باقة من الجوائز الأدبية البارزة، من بينها جائزة صحيفة «غارديان» للرواية وجائزة أورانج، وعلى الرغم من هذا النجاح المدوي فقد ظل جمهور القراء لا يعرف إلا القليل عن المؤلفة، التي عرفت بأنها ناجحة فيما كانت تصفه بـ «التسلل من الباب الخلفي».

الآن ومع صدور الرواية الثانية لآن مايكلز بعنوان «السماء الشتائية»، بعد طول انتظار، يثور مجدداً السؤال عن السر في إصرارها على أن تبقى بعيدة عن الأنظار مجدداً.

وهي في معرض ردها على هذا السؤال تبادر إلى القول إن ذلك لا ينبع من الخجل، كما أنه ليس موقفاً تتبناه لإضفاء العمق على اللغز المحيط بها، وإنما هو بالأحرى يمثل إيماناً قوياً من جانبها بمكانة النص وقدره، فهي ترى أن حتى التفاصيل المحددة التي نعرفها عنها ليست زائدة عن الحاجة فحسب، وإنما هي معرقلة أيضاً.

وهي ترى في هذا الصدد: «إنني أعتقد حقاً أننا نقرأ بطريقة مختلفة عندما نعرف حتى أكثر الحقائق هامشية عن حياة المؤلف».

وتتابع: «إنني لست ساذجة، وأدرك أنه ليس هناك ما يسمى بالقراءة الخالصة. ولكنني أفضل إبعاد نفسي عنها بقدر ما أستطيع».

ومن سوء طالع الكاتبة الكندية أن اختيارها للموضوعات قد جعلها هدفاً لا يقاوم للساعين إلى كتابة سير الحياة، فمن صور قصائدها لأوروبا في منتصف القرن العشرين إلى سحق وارسو في روايتها «السماء الشتائية» شكلت الحرب العالمية الثانية أرضها المؤكد. وهي تقول في هذا الصدد: «أعتقد أنه بالنسبة لأبناء جيلنا جميعاً كانت هذه الحرب حدثاً تكوينياً، فلدى ميلادنا، كان الجميع قد عاد لتوه من الحرب، أو فقد أحدا فيها، حيث كانت شيئاً لا مهرب منه».

لكن شعورها بالمسؤولية نحو مادتها التاريخية لم يؤد إلا إلى تعميق إصرارها على البقاء بعيدة عن الصورة، وهي تعقب على ذلك: «لديَّ مقاومة عميقة لفكرة أن القارئ قد يقول: (أوه، حسنا، تلك هي قصتها). إننا جميعاً ينبغي أن نكون مهتمين بغض النظر عن المكان الذي جئنا منه، أو عن هويه آبائنا. إن الأمر لا يتعلق بالولاية التي قدمت منها، وإنما هو أمرنا نحن، وهذه المسائل تعنينا جميعاً». وتواصل آن مايكلز الحرص على تجنب الحديث عن الحياة التي تكمن وراء كتبها، حياتها، ولكنها لا تشعر بمثل هذا التحفظ حيال الحديث عن الكتابة، وهي تعود بذاكرتها إلى الوراء قائلة: «لقد بدأت في تسجيل كل شيء كتابة منذ كنت طفلة صغيرة للغاية، حيث أردت العثور على طريقة للتذكر، للبقاء قريبة على نحو ما من اللحظات التي أثرت في نفسي».

وقد انتقلت عائلتها عندما كانت في السادسة من عمرها. وهي تتذكر: «أذكر بوضوح أنني كتبت كل ما استطعت تذكره عما كانت عليه الحياة فيما سيغدو سريعاً دارناً القديمة، حتى لا أنسى». ومن الواضح أن الكتابة بالنسبة لها ظلت محتفظة بهذه الخاصية، حيث إنها تملك رفاهية التحكم بقدرة الكلمات على إعادة تحريك الماضي.

وعلى الرغم من أن الشهرة قد اقتحمت حياتها مع نشر روايتها الأولى، إلا أن حياتها في دنيا الكتابة بدأت بالشعر، وهي تعتقد أن «الشعر طريقة لمعانقة التجربة، لا للتشبث بها». وهو تمييز دقيق حقاً، ولكنه يتلاعب عبر كيان إبداعي هائل يغوص الماضي عبره في الحاضر، مثلما يغوص المطر في الأنهار.

وقد أصدرت في البداية ديوانها «ثقل البرتقال» في عام 1986 ثم تبعه ديوانها «بحيرة رجل المناجم» في 1991، ثم «الغواصون في الجلد» عام 1999، وحصدت عن هذه الدواوين الثلاثة جائزة رابطة المؤلفين الكنديين وجائزة الكومنولث للشعر، ثم جمعت الدواوين الثلاثة في مجلد واحد يحمل عنوان «قصائد» في عام 2000. وتستخدم مايكل قصائد لسبر أغوار موضوعاتها المختارة، وفي مقدمتها اللغة والذاكرة، وذلك من خلال أبيات غاضبة تصل إلى حد الضغط وصولاً حتى نهايات ما يمكن للوسيط الشعري أن يحتويه.

وهي تقول الآن: «لم أكتب الشعر منذ وقت طويل، وذلك على الرغم من أنني أحب التفكير في أنني سأعود إليه، عندما أغدو أكثر حكمة، ولكنه بمثابة انضباط جيد للروائية في أعماقي، حيث يجعلني أدرك أنه حتى بوجود أربعمئة أو خمسمئة صفحة يمكنني التلاعب بها، فلا ينبغي إصدار كلمة واحدة».

وعلى الرغم من ذلك، فإنها مع مضى الوقت وجدت نفسها تصطدم بصورة أكبر مع النهايات القصوى للشكل الأدبي الذي تتعامل معه، وهي توضح في هذا الصدد: «وجدت نفسي أدفع الشكل الأدبي إلى الحد الأقصى الذي أستطيعه في القطع الأكثر طولاً، محاولة إيجاد اتصالات على نطاق أوسع. وقد وسعت نطاق الشعر إلى أقصى حد يمكن الوصول إليه من حيث الطول ومن حيث ما أحاول الإمساك به من المعاني».

هكذا قامت المؤلفة الكندية بتحقيق الانتقال الكبير عبر روايتها الأولى «مقطوعات هاربة» وصولا إلى النثر، وهي تنظر إلى هذه الرواية على أنها سبر لأغوار العديد من المسائل، وفي مقدمتها التاريخ والهوية والموقع والحزن، التي تنهض من رحاب الحرب العالمية الثانية.

وتتابع: «عندما تنظر إلى أمور على مثل هذا القدر من التعقيد البالغ فإنك تحتاج إلى استيعابها تدريجياً، والرواية رحبة، وهي تقدم طريقة لترتيب الأشياء، وللوصول إلى صور وإيماءات تربط بين صفحة 100 وصفحة 303، وتتيح لك الفرصة لاجتذاب القارئ على مهل عبر أكبر عدد تستطيعه من الخيوط».

وقد كان هذا التحالف بين الرحابة النابعة من الموضوع والصور الرقيقة هو الذي جعل قراء رواية مايكلز الأولى يتحمسون لها، فقد بدا لهم أن هذه الرواية تمتد في الأرض الفاصلة بين الشعر والرواية، محاولة الإشارة إلى ما جعل هذا الكتاب مختلفاً على وجه الدقة.

وهي تقول في هذا الصدد إن روايتها الأولى «لم تكن محتدمة، وإنما كانت عملاً عادياً». ولكن إذا كانت الكلمات على نحو مفرد مجردة من الإغراق الفني، فإن الصور التي تستحضرها هذه الكلمات، هي أبعد ما تكون عن هذا الوصف، ومنها على سبيل المثال صورة جاكوب وهو يهرب بعد موت أبيه «إلى أن انتزع أول ضوء في النهار الرماد الأخير من النجوم، فتقاطر نور متسخ بين الأشجار».

منى مدكور

المؤلفة في سطور

ولدت الروائية الكندية آن مايكلز في تورنتو عام 1958 لأب بولندي وأم كندية، ودرست الكتابة الإبداعية في جامعة تورنتو، التي ما لبثت أن التحقت بهيئة التدريس فيها، حيث لاتزال حتى اليوم تعمل بتدريس الكتابة الإبداعية.

واستهلت حياتها الإبداعية بديوان «ثقل البرتقال» عام 1986، ومن ثم ديوان «بحيرة عامل المناجم» عام 1991 ومن ثم ديوان «الغائصون في الجلد» عام 1999 وجمعت هذه الدواوين الثلاثة في مجلد بعنوان «قصائد» عام 2000، بعد أن فازت عنها بجائزتي رابطة المؤلفين الكنديين والكومنولث للشعر. وحققت روايتها الأولى الصادرة في عام 1997 بعنوان «مقطوعات هاربة» نجاحاً مدوياً في صفوف النقاد والقراء على السواء، وفازت عنها بالعديد من الجوائز وفي مقدمتها جائزة صحيفة «غارديان» للرواية وجائزة أورانج.

ولم يتردد الكاتب جون بيرجر في وصف هذه الرواية بأنها «أهم كتاب قرأته على امتداد أربعين عاماً« وتصدرت قائمة أفضل الكتب الكندية مبيعاً على امتداد ما يزيد على العامين، وترجمت إلى أكثر من عشرين لغة، وأصدرت مؤخراً روايتها الثانية بعنوان «سماء الشتاء».