كان على القراء الانتظار قرابة ثلاثة عشر عاماً قبل أن تطل عليهم الروائية الكندية آن مايكلز بروايتها الثانية «سماء الشتاء» التي يرى الكثيرون أنها تردد أصداء النجاح الهائل الذي قوبلت به روايتها الأولى «مقطوعات هاربة».
غير أن مايكلز لا يمكن القول إنها قد لزمت الصمت تماماً بين الروايتين، فخلال هذه الفترة وإلى جوار اصدار ديوانها «غواصون في الجلد» قدمت بالاشتراك مع جون بيرجر مسرحية «نقاط متلاشية» كما قدمت النص المغنى لعدد من الأعمال الأوبرالية والمسرحيات الغنائية، فضلاً عن أنها تواصل العمل في برنامج الكتابة الإبداعية في جامعة تورنتو. وتبرر مايكلز طول الفترة الممتدة بين روايتها بأنها كان عليها الجمع بين عملين بالغي الصعوبة، هما الكتابة ورعاية أبنيها الصغيرين وأولهما في العاشرة من عمره وثانيهما في السادسة من عمره، الأمر الذي أجبرها على الكتابة ليلاً، رغم شعورها الشديد بالإرهاق، فقدمت إلى جوار هذا كله خمسة كتب للأطفال بالإضافة إلى عدد من المخطوطات التي تعتزم نشرها تباعاً في القريب العاجل.
ومن المؤكد أن القراء سيفتقرون لها طول هذه المدة، ليس في ضوء هذه الظروف الصعبة فحسب، وإنما في ضوء الثراء البالغ الذي تتسم به روايتها الجديدة «سماء الشتاء».
هذه الرواية عمل مفعم بالغنائية، يعكس من النظرة الأولى تماسكاً وثقة غابا عن رواية مايكلز الأولى، فهي أكبر وأكثر جرأة وأكثر إيحاء بالثقة والقدرة على الانطلاق حتى نهاية المدى، وفي الوقت نفسه فإننا نظل مع الرقة الفاتنة التي أحببناها في الرواية الأولى على مستوى الكلمة والصورة.
سنجد أنفسنا في المشهد الافتتاحي للرواية الجديدة وقد عدنا إلى عام 1964. في غمار العمل الهادر من أجل بناء السد العالي، حيث تتركز البؤرة على تفكيك معبد أبي سمبل وإعادة تركيبه في موقع آخر يقيه مياه النيل التي كانت ستغمره عقب اكتمال بناء السد، وما نلبث أن ننتقل إلى بناء جسر نهر سانت لورنس في كندا، ومن ثم نقفز إلى التدمير المنهاجي الذي تعرضت له وارسو في ظل الاحتلال النازي لبولندا، ومن ثم إعادة تعمير المدينة.
هكذا، وكما كانت الحال في رواية «مقطوعات هاربة» فإن أفكار الذاكرة، الحب، الامتلاك والطرد تهمين على السياق الذي تتابعه، ولكنها هنا في رواية «سماء الشتاء» تبرز على نحو حاسم من النص الفرعي إلى النص الرئيسي.
هنا تلفت آن مايكلز نظرنا إلى نقطة مهمة، فهي تقول: «أعتقد أن أحد الكتابين تترامى أمواجه على شاطئ الكتاب الذي يليه، فقد بدأت كتابة روايتي الثانية قبل نشر الرواية الأولى. والكتاب الثاني انبعث من الكتاب الأول لأنه قادني إلى التفكير بمزيد من العمق حول مفهوم الحرمان من الحقوق. وفي حالة أبناء النوبة الذين غمرت مياه السد العالي أرضهم، فإنهم عملياً قد فقدوا كل شيء. ومسألة كيف نحتفي بهذا النوع من الفقدان تتخلل الكتاب جنباً إلى جنب مع مفهوم العزاء الزائف الذي نراه في معبد أبي سنبل وإعادة تركيبه، فأنت إذا أحللت شيئاً مكان شيء آخر، وهو أمر يمكن تفهم الدافع إليه، فإنه يظل كذلك فحسب، أي يظل احلالاً، تقليداً، ذلك أن شيئاً جوهرياً قد تعرض للفقدان.
ويظل مكان الفرد في داخل الحدث الأوسع نطاقاً شيئاً محوريا بالنسبة لعمل آن مايكلز. ففي بداية «سماء الشتاء» نجد أنفسنا أمام صورة لشابين في مقتبل العمر، هما جين وآفري على متن مركب في النيل. وآفري هو أحد المهندسين المشاركين في نقل المعبد، بينما زوجته جين باحثة في علم النبات. ومع إيغال الغسق في مسيرته فوق أبي سنبل، حيث «مشهد الدمار المروع» يخرج آفري علبة ألوان مائية، ويرسم «حيناً المشهد الممتد أمامه.. وحينا آخر مستلهماً الذاكرة تلال شيلترن» على ظهر زوجته.
وتوضح المؤلفة الكندية أن هذه الصورة كانت هي الأولى التي خطرت لها، وأن كل شيء جاء انطلاقاً من تلك اللحظة، رقة علاقتهما والثقة المواكبة لها أمام هذه الصورة المثيرة للقلق لمومياوات الفراعنة والآلات التي لا تعرف التوقف، ومفهوم نقل المبعد إلى موقع جديد. هذا المشهد هو في المقام الأول لوحه للحياة الخاصة موضوعه إزاء حدث أكبر نطاقاً. وهناك الكثير في تلك اللحظة، وهي تعرب عن اعتقادها بأنه لا سبيل إلى استيعاب فكرة ما لم تكن مرتبطة بعاطفة، وأن الصور هي القنوات الأفضل والأكثر ثراء لتوصيل العواطف التي يحس بها البشر.
إن ما حاولت الروائية الكندية القيام به هنا، بغض النظر عن نجاحها من عدمه، هو أن تقدم لنا أكبر عدد من المداخل التي يمكننا أن ندلف عبرها إلى اهتمامات روايتها، ربما لكي نرصد ـ من خلال ذلك ـ اهتماماتنا نحن، أن تتيح لنا مكاناً آمنا نتحدث فيه عما يعنينا، عن مخاوفنا، عن آمالنا وأحلامنا.
وهي تقدم ذلك من خلال محاولة التعمق معنا وبنا في تجارب شخصياتها، وهي تجارب لا ينقصها العمق ولا التعقيد.
ولكن ما هو جوهر ما تحاوله الكاتبة ـ الشاعرة هنا حقاً؟
إن ما تحاول اجتراحه على صفحات «سماء الشتاء» هو، بين أمور أخرى، أن توضح لنا أنه ليس كافياً ألا نلحق الأذى بأحد، وإنما علينا أن نقطع الشوط كاملاً وأن نقوم بما هو جيد وصحيح وخير. إنها تؤكد لنا أن مشاعر الخزي والأسف والشعور بالعار ليست كافية لتكون نهاية القصة، فهي ليست إلا مرحلة وسيطة فيها وبالتالي فنحن مدعوون إلى استكمال المسيرة، إلى قطع الميل الإضافي حتى وإن لم نكن متحمسين لذلك، حتى وإن لم يكن هذا بمقدورنا.
ومشهد الباقة الزهرية البلاستيكية في المقبرة، قرب نهاية الرواية، يمثل في جوهره نوعا من الخلاص، نوعاً من التصالح مع الكثير مما جرت مناقشته، نوعاً من إسناده إلى جدار يلتقط عنده أنفاسا إن لم يلفظ تحته أنفاسه الأخيرة.
ما تشدد عليه المؤلفة، بطريقتها الخاصة، عبر ما يشبه حبلا مشدوداً بين الشعر والنثر هو أن أي عزاء، كائناً ما كان ليس بالأمر السهل ولا اليسير، وأن الخلاص ينتمي إلى طبيعة مراوغة أشد ما تكون المراوغة، وأن علينا أن نمضي نحوه حتى وإن ثقلت خطانا وأوشكت أن تمضي بنا إلى الانهيار، لأنه يظل هناك في نهاية النفق ذلك الضوء البعيد، الذي يمكننا أن نسميه الأمل.
في المقبرة
«قالت جين: في المقبرة، قرب قبر اليزابيث، كان هناك قبر طفلة أخرى، ترك أحدهم هنالك باقة بديعة من الزهور البلاستيكية. نمت الرخسيات وفيرة من قلب مربع سميك من زبد محل الزهور، ووسط الأوراق كان هناك كلبان ملونان من الخزف الصيني. وقد اختيرت كل زهرة بلاستيكية بعناية، ورود، ياقوتيات، خزامى، سوسنة وادي. كان هناك حب في كل استدارة للوريقات والتبلات. وأتذكر عندما كنت صغيرة أنني كنت أتطلع إلى زهور بلاستيكية في أحد المحال وسمعت أحدهم يقول: (إنها ليست حقيقية). ولم أستطع فهم ما يقصده، فقد كنت أحمل زهرة في يدي، إنها حقيقية بالطبع».
مقتطف من رواية «سماء الشتاء»
الكتاب: سماء الشتاء
تأليف: آن مايكلز
الناشر: بلومزبري ـ لندن 2009
الصفحات: 240 صفحة
القطع: المتوسط
The Winter Vault
Anne Michaels
Bloomsbury ـ Londan 2009
P.240

