يقف القارئ في كتاب « التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر » لمؤلفيه: د. بشير تاوريريت وسامية راجح، على سرد تاريخي وتحليل وصفي للخطاب النقدي التفكيكي المعاصر، بشقيّه الغربي والعربي. فالكتاب يعود بالتفكيكية إلى عمق الأصول الفلسفية لها عند (أرسطو) و(أفلاطون) و(هيدجر) و(فرويد)، مروراً بالأصول اللسانية عند (دوسوسير) حيث أستلهم منه التفكيك التمييز بين الدال والمدلول وحوله إلى مبدأ لا نهائية الدلالة.

يقدم الكتاب الأسس النظرية للنقد التفكيكي مبيناً معالم التفكيك في الفكر الغربي، وذلك من خلال علمين هامين من أعلام التفكيك هما (جاك دريدا) و(رولان بارت). فالتفكيكية ارتبطت منذ نشأتها الأولى بدريدا الذي نَّظر لها وأعطاها ملامحها العامة، وذلك من خلال الثورة التي قادها على الفلسفات العقلية والميتافيزيقية التي سببت الجمود واللاحركة للمعنى وقيدته بقيود المنطق.

يركز الكتاب على نقد الوعي الميتافيزيقي للكون، لأن هذا الوعي أختزل الذات داخل الوعي وجعل من نفسه مركز الكون. فالفلسفة التقليدية هي « فلسفة حضور »، بمعنى أن مهمة العقل الإنساني هي إدراك ووعي الوجود الحاضر، لأن هذا الوجود هو الأكثر حضور فينينا. أما جاك دريدا فأنه يقدم بدلاً من فلسفة الحضور « فلسفة الغياب » لأن الوجود وبالرغم من حضوره فإنه غامض ومحتجب ومتعدد ومراوغ بالنسبة لوعي الإنسان وإدراكه.

أما الانجاز الذي يحسب لرولان بارت فهو رفض المؤلف بوصفه الفضاء الوحيد الذي يتمحور في فلكه الخطاب، والمرجع الأساسي لتحليل النص. إذ دعى بارت إلى ضرورة قراءة النص أو العمل الأدبي منفصلاً عن مؤلفه، وتسليط أضواء البحث والتحليل على النص المكتوب كونه يمثل لغة، واللغة في الأدب هي التي تتحدث وهي التي تقدم معاني مختلفة وغير منتهية. أما رفض بارت لنسبة النص إلى المؤلف فيعود إلى أن هذا الأمر يحصر النص في معنى محدد مغلق، مما يؤدي إلى إفقار النص.

ويناقش الكتاب نظرية بارت في الأقطاب الثلاثية للنقد: (المؤلف - الكتابة - القارئ). فالمؤلف ينتهي دوره مباشرة بعد الانتهاء من الكتابة، أما الكتابة فإنها لا تأخذ موقعها إلا في ضوء من يقرأها، في حين فإن القارئ هو الذي يعيد إنتاج المكتوب ويعطي له معاني كثيرة. وبذلك يتضح أن الكاتب هو أنا من ورق وكائن أسطوري لا قيمة له، في حين أن القارئ هو الذي يستكشف الجوانب الخفية للنص ويملأ فراغاته. وبذلك يتضح أن القارئ أنتقل من دور التبعية إلى الاستقلال ليعيش لحظات العشق والجمال بعيداً عن كل إكراه ويتحرر من كل قيد، يبني عالمه الخاص من خلال ما يبوح له النص. فالقراءة اليوم محاورة مع النص وإعادة تشكيل له وإجابة يقدمها القارئ لأسئلة النص.

فالتفكيكية في الأدب تعني: إسقاط جميع المكونات « الخارج أدبية » من رحاب النقد وإحلال النص محلها، وتعني أن « الاختلاف » بين القارئ والكاتب، واختلاف الكاتب مع نفسه ومع مقولاته، والاختلاف في الزمان والمكان، هو الذي يؤدي إلى كثرة المعاني والدلالات، وهو الذي يؤدي إلى التشتت والبعثرة والإرجاء والتغييب. والتفكيكية تعني أخيراً التناص، مادام كل نص يتحرك ضمن معنى لغوي سابق لوجوده، ويشتغل في مناخ ثقافي معرفي مهيمن، بحيث يتضح أن كل كتابة هي تأسيس على أنقاض كتابات أخرى وخلاصة له. ولا يفوت الكتاب في النهاية أن يتوقف عند رواج التفكيك بين النقاد العرب والإشكالات التي نتجت عن ذلك. فيتناول تجربة عبدالله الغذامي وعبد الملك مرتاض وعبد الحميد إبراهيم وغيرهم.

لينتهي من تأمله وحواره مع تلك التجارب إلى أنه وبالرغم من كونها تجارب جادة وريادية ونقدية حاولت أقلمة التفكيك وأرضنته في الثقافة النقدية العربية، إلا أنها تجارب عانت من الخلط والقصور والاضطراب الذي يرجعه المؤلف إلى حداثة التجربة وغموض مفهوم التفكيك. أما استلهام النقاد العرب لمفاهيم التفكيك عند عودتهم للتراث القديم فقد شابها الحذر والتحاشي الذي فسره المؤلف بأنه خوف النقاد على التراث من النزعة التدميرية الموجودة داخل التفكيك.

العقل المحض

يؤكد الكتاب أن فحوى ثورة جاك دريدا تقوم على رفض تمركز الفكر الغربي حول العقل، بوصفه مصدر كل المفاهيم والحاكم الأوحد للعالم. فالاحتكام إلى العقل المحض أدى إلى تقوقع الفكر الغربي وتكبيله بمقاييس وقوالب تجريبية وميتافيزيقية صارمة، وجعل العقل يهتم بالصوت وينسى الكتابة، يهتم بالمعنى الثابت والحقيقة المطلقة دون أن يتخيل فكرة تعدد المعاني ونسبية الحقائق ولانهائية الدلالات.

د. رشيد الحاج صالح

المؤلف في سطور

الدكتور بشير تاوريريت أستاذ في قسم الأدب العربي في جامعة محمد خيضر ـ الجزائر. له مجموعة من المقالات النقدية في عدد من الدوريات الثقافية.

الكتاب: التفكيكية في الخطاب النقدي المعاصر

تأليف: د. بشير تاوريريت وسامية راجح

الناشر: دار رسلان ـ دمشق 2008

الصفحات: 122 صفحة

القطع: الكبير