ينطلق ناصيف نصار في كتابه «الذات والحضور: بحث في مبادئ الوجود التاريخي» من اعتبار أن الحاضر هو الحقيقة الأولى في الوجود التاريخي، بوصفه اعتباراً ضرورياً لاستكشاف حقائق هذا الوجود.

يجترح ناصيف نصار مفهوم الحضور القصدي استناداً إلى خاصية الوعي الأساسية، الذي يخص به حضور الكائن ؟ الذات، أو الكائن الذاتي، ويقصد به الإنسان، لكنه يرى بأنه لا يكفي الكائن - الذات لكي يكون حاضراً أن يكون موجوداً في ذاته فقط، ذلك أن حضوره رهن بتوسُّط الوعي الذي هو الشرط الأصلي لكل حضور قصدي إلى الذات، وهو مزدوج التركيب، كونه يشمل في فعل واحد، يتجسد في حضور الذات إلى ذاتها، وحضورها إلى غيرها.

ويبيّن ناصيف نصار أن الحضور علاقة بين الذات ونفسها، أو بين الذات وذات أخرى، لكنه يلاحظ أن عملية الحضور، مع ما تنهض به من مقوم ذاتي، لا تجري في عالم الذاتية الخالصة، باعتبار أن الوجود في تجربة الحاضر، يشتمل على وجود الذات الواعية ووجود الواقع المدرك. وينبه إلى عدم الخلط بين الوجود وبين الواقع، وبين مستويات الواقع نفسه، حيث الواقع قسم من الوجود، يقابل الذات وكل ما تحمله أو تتعلق به كذات، مثل الواجب والحلم والمثال. والواقع كمعطى في الطبيعة له أجناسه وأنواعه ومراتبه، ويتمتع كمعطى ناتج من فاعلية الذات البشرية باختلافات ودرجات تستدعي أنواعاً مختلفة من الحضور.

ويبرر ناصيف نصار انطلاقه من الحاضر وتركيزه عليه بأن طبيعة الحاضر في التجربة البشرية الحية تقتضي الانطلاق في تحليله من كونه من يقوم بفعل الحضور، إما إلى غيره أو إلى نفسه، وإما إلى نفسه وغيره معاً. ويميز ما بين حاضر بالمعنى الزمني، وبين الحاضر ذاتاً والحاضر واقعاً، ويرى أن إحساسنا بالزمن متلازم مع إحساسنا بالحركة، والزمن الملازم للحركة ينطوي في تكوينه على علاقة القبل والبعد التي نتوصّل إليها بالإحساس والذاكرة.

يرتكز البحث، إذاً، إلى الانطلاق من مركزية الحاضر، كي يتم وضع التموقع في الماضي أو في تحت حقيقة هذه المركزية الذي يجب أن تعود إليه الأولية في شبكة العلاقات بين الماضي والحاضر والمستقبل. ويمتد إلى التمييز ما بين الزمن الحاضر وبين الكائن الحاضر، وما بين الواقع الحاضر وبين الذات الحاضرة.

ويعرض نصار للحضور العقلاني بوصفه شكلاً من أشكال الحضور يمارسه الكائن الذاتي في علاقته مع ذاته ومع العالم، وذلك من أجل وضع مسألة العقل في نصابها الصحيح من وجود الكائن الذاتي.

ويؤكد المؤلف مركزية الإنسان والعقل الإنساني، بوصفهما الأصل والمرجع في الحضور والغياب ويهدف من كتابه إلى تحقيق قول فلسفي مميز في مركزية الإنسان، والتشديد على أن الإنسان والوعي الإنساني هما أساس كل حضور، يتعيّن بهما الماضي والحاضر والمستقبل وتتحدد كل القيم.

ويمكن القول إن كتابه يشكل استمرارية في ذات الخط لفلسفي الذي بدأه في كتبه السابقة، خصوصاً كتابه «بان الحرة»، وكذلك «منطق السلطة».

ولا ينفك جهده الفلسفي عن القول بوجوب الاستقلال الفلسفي، وإبداع فلسفة عربية، تنهض على محورية الوجود التاريخي، وتبني على ما بناه ابن خلدون وسواه.

الحضور العقلاني

الحضور العقلاني شكل من أشكال الحضور، وليس الحضور كله، ما يخالف الاعتقاد الشائع أن الحضور العلمي - التكنولوجي يشكِّل حداً نهائياً لحضور الكائن الذاتي إلى الطبيعة، فثمة حضور فكري غير عقلاني إلى الطبيعة، كالحضور الشعري.

عمر كوش

المؤلف في سطور

د. ناصيف نصار أستاذ الفلسفة في الجامعة اللبنانية وعميد كلية الآداب. وهو من المنشغلين بالهم الفلسفي والكتابة الفلسفية، ويسعى ويعمل على وضع الأسس المتينة لبناء مدرسة عربية في الفلسفة، تنهض على مشروع نقدي تحليلي، وتهدف إلى تكوين مجتمع عربي جديد، بعيد كل البعد عن العنصرية والتعصب ورفض الآخر. وقد طرح أفكاره في العديد من الكتب التي أصدرها في اللغتين العربية والفرنسية، أهمها: «طريق الاستقلال الفلسفي، 1975»، و«طريق الالتزام الفلسفي، 1979»، و«التفكير والهجرة، من التراث إلى النهضة العربية الثانية، 1997».

و«مطارحات للعقل الملتزم، 1986»، و«الفلسفة في معركة الإيديولوجية، 1986»، و«الفكر الواقعي عند ابن خلدون، 1994»، و«الأيدلوجية على المحك، 1994»، و«نحو مجتمع جديد، 1995» و«تطورات الأمة المعاصرة، 1994»، و«منطق السلطة، مدخل إلى فلسفة الأمر، 1995»، و«مقالة في الوجود قراءة نقدية في سيرة ذاتية فلسفية، 1997»، و«منطق السلطة، 2001»، و«مفهوم الأمة بين الدين والتاريخ، 2003»، و«باب الحريّة، انبثاق الوجود بالفعل، 2003»، و«في التربية والسياسة، 2005».

الكتاب: الذات والحضور بحث في مبادئ الوجود التاريخي

تأليف: ناصيف نصار

الناشر: دار الطليعة ـ بيروت 2009

الصفحات: 636 صفحة

القطع : المتوسط