يطرح حسين المناصرة في كتابه «ذاكرة رواية التسعينيات قراءات في الرواية السعودية» أسئلة مثيرة، إذ يرى أنَّ دول الخليج تكاد تنتج كثيراً من القيم المتشابهة فيما بينها، والمختلفة في الوقت نفسه، ثمَّ تفرز بكل تأكيد إشكاليات متشابهة ومختلفة أيضاً مع المشهد الإبداعي العربي خارج المنطقة.

يعتقد الكاتب أنَّ كتابته عن الذاكرة في الرواية العربية السعودية ـ إذ لا يمكن إطلاقاً أن نكتب روايةً مجرَّدة خالية من الذاكرة؛ لأنَّ الرواية ابنة الذاكرة، ابنة حياة مبدعها وتجاربه في الحياة ـ هي كتابة تبرِّر نفسها بنفسها عندما تجعل ذاكرة المبدع هي مركزية الخطاب السردي، سواءً كانت هذه الذاكرة ذاكرة سيرة ذاتية، أم أنَّها ذات احتمال أن تكون ذات ذاكرة سيرة ذاتية بصفتها حالمة على طريقة أحلام اليقظة التي نظر لها «فرويد» وتلاميذه كثيراً.

إنَّ الرواية العربية السعودية الحقيقية كمَّاً ونوعاً معاً ولدت في فترة التسعينيات، هكذا يقرِّر د. حسين المناصرة، هذه الفترة التي هي أكثر الفترات التاريخية إشراقاً في تاريخ الرواية العربية السعودية.

يعتقد الباحث أنَّ التسعينيات هي فترة درامية بكل المقاييس، فترة تحتاج من خلال الصراعات الدامية في منطقتنا إلى أكبر من القصيدة أو القصة القصيرة، ومن هنا كان لا بد من أن تنشأ الرواية الجديدة بصفتها المفتاح الذي يحل الألغاز الكثيرة التي تحاصر المبدع، الذي أصبح يعاني من الانفصام بينه والعالم من حوله، لذلك كان لا بدَّ أيضاً من عودة هذا المبدع إلى المنابع الأولى..أو إلى ما يمكن تسميته الخصخصة في«زمكانية» العولمة. وفي ظل هذا التصور سنجد أنَّ القائمة التي تحوي ثلاثمئة رواية سعودية ستتقلَّص تلقائياً إلى حدود مئة رواية على الأكثر، يمكن اعتبارها حصيلة الفن الروائي الجيد في المملكة.

وفي الوقت نفسه لا تعني حصيلة مئة رواية جيدة وصفاً هامشياً أو «بذرة» وقلَّة في العمل الروائي المحلي، بقدر كون المشهد المحلي بحاجة إلى أن يكون فيه ـ على سبيل المثال ـ مئتا رواية جيدة في ببليوغرافيا شاملة قد تصل إلى خمسمئة رواية، وحينئذٍ بإمكاننا أن نصف المشهد الثقافي المحلي بأنَّه مشهد حي وغني بفن الرواية، مما يفضي به إلى مستوى الرواية العربية في أوضاعها الإقليمية الجيدة.

وفي المحصلة، تبدو طفرة الرواية الآن حالة طبيعية، وهي بكل تأكيد تكشف عن وجود تحوُّلات عميقة في المجتمع العربي السعودي، بغض النظر عن الرؤى المتناقضة في توصيف هذه المرحلة أدبياً في المشهد الإبداعي المحلي.

300 رواية

يؤكد حسين المناصرة أن سجل الرواية «الببلوغرافي» في المملكة كاد أن يصل أو وصل إلى حدود ثلاثمئة رواية، هي خليطٌ بين الفني وغير الفني، وبين السيري، والتسجيلي التاريخي، والأدبي، والسردي الجديد، والحكائي، والشعري.. لذلك لا يمكنُ حسب المناصرة، أن نعدَّ هذا الكم من الناحية الشكلية «الببلوغرافية» كماً محدوداً، لكنَّه في حقيقته أو في واقعه، هو كمٌ محدود في سياق مفهوم الرواية الفنية بصفته اصطلاحاً سردياً يكتسب مشروعيته من جمالياته الفنية على أساس معايير فن الرواية، كما استقرَّت في النقد السردي المعاصر.

أنور محمد

المؤلف في سطور

د. حسين المناصرة كاتب وناقد أدبي فلسطيني، ولد في الخليل عام 1958، يحمل دكتوراه في الأدب العربي، عضو هيئة تدريس في قسم اللغة العربية وآدابها بجامعة الملك سعود بالرياض. صدر له حوالي خمسة عشر كتاباً منها: فرح أنطون روائياً ومسرحياً عمَّان 1994، ثقافة المنهج: الخطاب الروائي نموذجاً حلب 1999، المرأة وعلاقتها بالآخر في الرواية العربية الفلسطينية بيروت 2002، خندق المصير رواية بيروت 2002، أساسيات التحرير وفن الكتابة بالعربية (بالاشتراك) مكتبة الرشد الرياض 2006.

الكتاب: ذاكرة رواية التسعينيات قراءة في الرواية ـ السعودية

تأليف : د. حسين المناصرة

الناشر: دار الفارابي ـ بيروت 2008

الصفحات: 367 صفحة

القطع: الكبير