مؤلف كتاب «الاعتبار» هو أسامة بن منقذ، الأمير الأديب والشاعر، من أكابر بني منقذ أصحاب قلعة شيزر، ولد سنة 488 هـ وتوفي 584 هـ، وقد قاد عدة حملات على الصليبيين في فلسطين ولكن أيامه الأخيرة قضاها مع صلاح الدين الأيوبي في دمشق.
ويعتبر كتابه «الاعتبار» من أخصب المصادر لدراسة العلاقات الاجتماعية بين المسلمين والنصارى إبّان الحروب الصليبية، ولم يترجم كتاب عربي بعد القرآن الكريم مثل ما ترجم هذا الكتاب، لا ينافسه في ذلك إلا «طوق الحمامة» لابن حزم الأندلسي، ويفهم من خاتمة الكتاب أن أسامة بن منقذ ألفه لصلاح الدين الأيوبي.
من الباب الأول.. حروب وأسفار - قتال الإفرنج: معركة قنسرين. ولم يكن القتل في ذلك المصاف في المسلمين كثيراً، وكان وصل من الإمام الراشد بن المسترشد رحمها الله، ابن بشر رسول إلى اتابك يستدعيه فحضر ذلك المصاف وعليه جوشن مذهّب فطعنه فارس من الإفرنج يقال له «ابن الدقيق» في صدره أخرج الرمح من ظهره رحمه الله، بل قتل من الإفرنج خلق كثير.
وأمر «أتابك» رحمه الله فجمعت رؤوسهم في حقل مقابل الحصن، فكانت قدر ثلاثة آلاف رأس.
ثم إن ملك الروم عاد وخرج في سنة اثنتين وثلاثين وخمس مئة واتفق هو والإفرنج ؟ خذلهم الله - وأجمعوا على قصد «شيزر» ومنازلتها، فقال لي صلاح الدين، ما ترى في فعله هذا الولد المثكل؟ يعني ابنه شهاب الدين أحمد، قلت، وأي شيء فعل؟ قال أنقذ إلي يقول أبصر من يتولى بلدك، قلت وأي شيء عمل؟ قال: نفذت إلى أتابك أقول: تسلّم موضعك، قلت بئس ما فعلت!
أما يقول لك أتابك، لما كانت لحماً أكلها، ولما صارت عظماً رماها علي؟ قال فأي شيء أعمل؟ قلت أنا جالس فيها، فإن سلم الله تعالى كان سعادتك، ويكون وجهك أبيض عند صاحبك وإن أخذ الموضع وقلنا كان بآجالنا، وأنت معذور، قال: ما قال لي هذا القول أحد غيرك.
وتوهمت أنه يفعل ذلك فحفلت الغنم والدقيق الكثير والسمن وما يحتاجه المحاصر، فأنا في داري المغرب، وروسوله جاءني، قال:
يقول لك صلاح الدين: نحن بعد غد سائرون إلى الموصل فاعمل شغلك للمسير، فورد على قلبي من هذا هم عظيم، وقلت أترك أولادي واخوتي وأهلي في الحصار وأسير إلى الموصل؟ فأصبحت، ركبت إليه وهو في الخيام، استأذنته في الرواح إلى شيزر لأحضر لي نفقة ومالاً نحتاج إليه في الطريق، فأذن وقال: لا تبطئ، فركبت ومضيت إلى «شيزر» فبدا منه ما أوحش قلبي وعرك ابني، فنازل، فنفذ إلى داري فرفع كل ما فيها من الخيام والسلاح والرحل، وقبض على أمر أحبتي وتتبع أصحابي فكانت نكبة كبيرة رائعة.
وهكذا يحدثنا أسامة بن منقذ بشكل يومي عن تلك الرحلة مما يجعلنا أمام لوحة كاملة.
