ذات زيارة لمعرض كتاب في عاصمة عربية اقتنيت عدة روايات مترجمة لروائيين مشهورين، كان القاسم المشترك بين كل تلك الروايات افتقادها لمقدمة يضعها المترجم أو دار النشر تعريفاً بالكتاب، وتقريباً للمسافة بينه وبين القارئ، وخلت معظمها من سيرة المؤلف أو نبذة عنه، إلى درجة التجهيل، حيث ان روائياً مثل هنري ميللر أو غراهام غرين لا تعريف لهما في تلك الروايات، رغم ما حظيا به من شهرة طبقت الآفاق.
لا تنحصر مهمة المترجم في النقل من لغة إلى أخرى فحسب، بل في تنوير القارئ بكاتبه الذي اصطفاه من بين غيره لينقل كتابه إلى لغة أخرى، وعليه أن يجد مبرراً كافياً ليقرب المسافة بين القارئ والكتاب، وليجعل القراءة ممتعة من خلال الضوء الذي سيلقيه على كاتبه، إذ أن متعة القراءة ستكون أكثر عندما يبحر القارئ في عالم خلفي للمؤلف، وسيعمل لاوعيه على تفسير بعض ما يبدو غامضاً أو غير مألوف في النص.
مهما بلغ الكاتب من شهرة يحتاج إلى تعريف في الكتاب، والتعريف لا يشمل تاريخ ميلاده أو مدى شهرته العالمية، بل يمتد إلى مؤلفاته ومنجزاته في ميدان الأدب، وكم سيبدو رائعا لو أن المترجم أحاط القارئ علماً أن الكتاب أصبح فيلماً سينمائياً أو مسرحية تعرضها مسارح العالم، إن ذلك لا يقدم فائدة للقارئ فقط، الفائدة الأكبر ستكون للباحثين والموثقين، لأن الكتاب طاقة مستمرة عبر التاريخ من جيل إلى آخر.
لقد اعتادت دور النشر الغربية أن تضع ثبتاً للمؤلف في كل كتاب جديد دون النظر إلى شهرته وحجم قامته، انه تقليد المراد منه الحفاظ على حق الأجيال في معرفة الكتاب، ولطالما كان الغلاف الأخير محجوزاً للمؤلف مع صورته كحق مطلق يجب على الناشر أن يحترمه، ومع مرور الزمن أصبح قاعدة أساسية في صيغة النشر، بينما تخلو كتب عربية كثيرة من كلمة على غلافها الأخير ولكان الناشر يخجل من منتجه الذي طبعه ووزعه.
مهمة المترجم أن يكون عمله منجزاً بالمطلق وان يضع ضمن أولوياته تقديم الكتاب للقارئ ليس عبر مطالعة نقدية، ولكن عبر التعريف بالمؤلف حسب ما تقتضيه أمانة النقل من لغة إلى أخرى، والمترجمون الذين فعلوا ذلك (وهم قلائل) يستحقون التقدير لأنهم أضاؤوا لقرائهم مزيداً من الطريق نحو معرفة كاملة وواسعة.
