كان الشاعر الظريف أحمد الجندي يضيق ذرعاً بكثرة الأشخاص الذين يكتبون الشعر في مسقط رأسه بلدة «السلمية»، فيعبر عن هذا الضيق بقوله: كل شخصين تراهما ماشيين في أحد أزقة السلمية هما عبارة عن ثلاثة شعراء!
ثمة بلدة اسمها «عامودا» تابعة لمنطقة القامشلي بمحافظة الحسكة، كانت مكتظة بالشعراء حتى قيل فيها ما قيل في السلمية: (كل شخصين في عامودا عبارة عن ثلاثة شعراء!). هذه البلدة الصغيرة خرج منها عدد لا يمكن حصره من الشعراء، أبرزهم سليم بركات ومحمد عفيف الحسيني ومنير دباغ ومحمد نور الحسيني.
أحمد الجندي وأشعار الآخرين
ومن طرائف أحمد الجندي أن شاعراً من ذوي المواهب المتوسط جاء إليه وقرأ أمامه قصيدة قافيتها (يائية).. القصيدة لم تنل إعجاب أحمد الجندي، ومن باب التهكم قال للرجل:
احمدْ ربك على أنك يائي ولست واوي! (الواوي حيوان جبلي من فصيلة الثعالب!)
ونشر أحد الشعراء قصيدة في إحدى الصحف المحلية يقول فيها:
لم أعد أعرف شرقي من غربي
وصديقتي تنتظرني عند موقف الباص
إن القدر يلعنني
في اليوم التالي استطاع أحمد الجندي أن يحصل على رقم هاتف هذا الشاعر واتصل به وقال له: أنا القدر!
السلمية والماغوط
إن بلدة «السلمية» الصغيرة أطلعت كذلك الأديب الساخر محمد الماغوط الذي تفرد فرادة تامة في ثلاثة ميادين أدبية، أولها قصيدة النثر التي أصبح فيها حجة يمكن إشهارها في وجه خصوم هذا اللون الشعري، وثانيها المسرح (أقصد المسرح الأدبي الساخر وليس مسرح دريد لحام التنفيسي)، وثالثها المقالة الصحافية الساخرة أو ما يصطلح عليه باسم (الزاوية).
كان الماغوط يسخر من حالته الاجتماعية المزرية، فقد نشأ فقيراً، شبه متشرد، مديوناً، يعاني من الخوف والبرد.
ومعروف أنه انتسب في صباه إلى الحزب السوري القومي الاجتماعي، ولوحق من قبل السلطات بسبب انتمائه إلى هذا الحزب، ولكنه حينما سئل، في وقت لاحق، عن سبب انتسابه إليه، أجاب بطريقته الهزلية العامرة بالسخرية:
خرجت من بيتي في «السلمية» ذات يوم وأنا أعاني من البرد الشديد، وأجريت جولة على مكاتب الأحزاب الموجودة في «السلمية» كلها، فلم أجد حزباً يمتلك مدفأة غير الحزب القومي فانتسبت إليه!
ومن طرائف الماغوط التي لا مثيل لها أنه كان يسهر ذات يوم مع بعض أصدقائه، فجرى الحديث عن توقيت الليل والنهار في أماكن مختلفة من العالم، وعن علاقة خطوط الطول والعرض بهذا الأمر. قال أحدهم إن الليل في القطب الشمالي طوله ستة أشهر، والنهار طوله ستة أشهر، فاليوم هناك طوله سنة كاملة! وإذا بالماغوط يعلق على كلامه قائلاً:
يا سلام، والله إن الحياة هناك ممتازة، وبالأخص بالنسبة للمديونين، فإذا جاءك الدائن يطالبك بما له في ذمتك من مال، تقول له «تعال إلي في المساء لأدفع لك» وهذا يعني أن يأتي بعد ستة أشهر! والأحسن أن تقول له «تعال غداً» ، يعني أن يأتي بعد سنة!
ومن أجمل تعليقات محمد الماغوط على الأحداث أنه قال حينما عرف بأن نجيب محفوظ قد طُعن بسكين: لا يمكن أن تمر موهبة كبيرة كموهبة نجيب محفوظ من دون عقاب!!
طرائف محمد الحريري
كان الشاعر محمد الحريري من الشعراء الذين وقفوا عند الشعر العمودي فلم يجرب شعر التفعيلة ولا الشعر النثري، وكان شعره مع ذلك عذباً جميلاً يمكن اتخاذه حجة في وجه الذين يقولون بأن الدهر أكل على الشعر العمودي وشرب.
وكان يمتلك حساً فكاهياً لا يستهان به وبالأخص حيال وزنه الذي كان يزداد باطراد رغم لجوئه في وقت من الأوقات إلى الحمية و(الريجيم).
ذات مرة التقى بصديقه الأديب الساخر حسيب كيالي فبادره بالقول:
إذا أنا وزنت نفسي بالميزان، ودخلت إلى هذا المطعم، وتناولت نصف دجاجة مشوية وزنها نصف كيلو جرام، أليس المنطق يقول أن يزداد وزني بعد تناولها بمقدار نصف كيلوجرام فقط؟
قال حسيب: بلى.
قال: الشيء الذي يجنن هو أنني آكل نصف كيلوجرام فيزداد وزني أكثر من كيلوجرام!
طرائف المترجمين والمستعربين
معروف أن اللغة العربية من أصعب اللغات بالنسبة إلى أبنائها فما بالك بالنسبة للأجانب؟ وأسباب الصعوبة كثيرة منها أن حركة التشكيل (أو التنوين) إذا تغيرت فإنها تغير معنى الكلمة تغييراً كبيراً، عدا عن كثرة المترادفات في العربية، وكون قواعدها ملأى بالشواذ والاستثناءات.
والأجانب حينما يتعلمون العربية تبقى اللغة القاموسية مسيطرة على أحاديثهم، وطريقتهم في التفاهم، ومن أطرف ما سمعت في هذا المجال أن أحد المستعربين التقى بكاتب عربي فسأله:
يا أخي أنا أستغرب تصرفات نسائكم في أيام الحزن. المرأة عندكم حينما يموت زوجها فإن أول شيء تفعله هو أنها ترتدي ثياب (الحَدَّاد)! لماذا الحداد بالذات؟ لماذا لا ترتدي ثياب النجار مثلاً؟
فضحك الكاتب العربي وقال: إنها ترتدي ثياب الحِدَاد.. وليس الحَدَّاد!
وقد روى لي الفنان علي فرزات أنه سافر في الثمانينيات إلى موسكو، وصادف سفره في أوائل الصيف. وكان المطر غزيراً جداً هناك، فسأل المترجمَ عن سر هذا المطر في غير أوانه، فقال:
يا أستاذ، أنت لم ترَ شيئاً بعد، فبالأمس أتى (طيفون) هائل من الماء!
لم يفهم علي فرزات ما تعنيه كلمة (طيفون)، فقال للمترجم: لعلك تقصد (طوفان)؟!
فاستنكر المترجم وقال: لا، ليس طوفان اثنان، طيفون واحد أتى!!
الحقير المحترم
وروى لي القاص والسيناريست المعروف حسن م يوسف أنه التقى في إحدى سفراته برجل يعرف اللغة العربية معرفة قاموسية.
فمثلاً، يعرف أن كلمة (حقير) في القاموس تعني الشخص ذا الجسم النحيل الصغير. ولم تكن في الأصل تحمل المعنى السلبي الذي نعرفه اليوم. وبينما كانا يتناولان الطعام معاً لاحظ الأجنبي أن حسن م يوسف يأكل القليل من الطعام فقط، فقال له:
كُلْ يا أستاذ، كُل جيداً.. فأنت حقير!!
شمسات بوعلي ياسين
كان الناقد السوري «بو علي ياسين» من أكثر الكتاب السوريين ولعاً بالطرائف والنوادر، وقد أصدر كتاباً بعنوان «شمسات شباطية» سجل فيه أكثر من خمسمئة طرفة مما قرأ أو شاهد أو سمع.
يروي «بو علي» في هذا الكتاب حكاية شاعر كان يبحث عن عنوان مناسب لديوانه الجديد. طلب من زوجته أن تنتقي له عنواناً، فقالت:
اذكر لي بعض العناوين التي تدور ذهنك.
فعدد لها بعض العناوين، منها «عينان، شفتان، أصابع»
فهتفت الزوجة: أنف أذن حنجرة!
وأخيراً.. القصة والثورة
القاص تاج الدين الموسى ليس ضليعاً في المزاح والتنكيت، ولكن كثيراً ما تحصل معه أشياء مضحكة. منها أن المركز الثقافي بمحافظة إدلب أقام في أواخر الثمانينيات مسابقة للقصة القصيرة وفازت قصته المعنونة «الأرض» بالمرتبة الأولى، وهي قصة تتحدث عن قرية سورية كان أهلها في سنة 1957 يتصارعون مع الملاكين من أجل الأرض التي يحصلون رزقهم منها.
في حفل توزيع الجوائز، وبعد أن قرأ «تاج» قصته أمام الجمهور قال له أحد المسؤولين المحليين:
بصراحة يا سيد تاج قصتك جميلة، ولكن لماذا لم (تُقَوِّمْ) ثورة آذار؟!
(يقصد لماذا لم تتابع سرد الأحداث حتى تقوم الوحدة مع مصر 1958 ثم يحدث الانفصال 1961 ثم تقوم ثورة 8 آذار سنة 1963؟
شعراء
آل الجندي
ان أسرة آل الجندي في سوريا بمفردها كان فيها عدد كبير من الشعراء أبرزهم «علي الجندي» وعمه «أحمد». وذات مرة أطلق الراحل ممدوح عدوان مزحة بحضور معظم شعراء آل الجندي إذ قال:
يا شباب، البارحة قرأت رأياً نقدياً يقول إن أحسن شاعر من آل الجندي هو.. ممدوح عدوان!
فأثارت مزحته ضحكاً مدوياً!
أزمة رجل
من أطرف ما جرى للناقد السوري المعروف أبو علي ياسين على الصعيد الشخصي أنه حينما أصدر كتابه «أزمة المرأة في المجتمع الذكوري» قدم منه نسخة لزوجته وكتب لها الإهداء على النحو الآتي: أهي أزمة المرأة أم هي أزمة الرجل؟
فكتبت زوجته على النسخة ذاتها، ممازحة: (بل هي أزمة المرأة مع رجل مثلك)!
خطيب بدلة
