روضة الحاج شاعرة سودانية تقودك مجموعاتها القصصية إلى التعرف على تشكيلات نص تثير مشاعر مختلفة لديك ربما قد دفنها الزمن في زحمة الحياة، ويقول عنها النقاد انها أعادت ذكريات شاعرات مثل نازك الملائكة في بعض القصائد. صدر للكاتبة روضة الحاج خمس مجموعات شعرية منها: عش القصير، مدن المنافي، للحلم جناح واحد، ولها تحت الطبع «ضوء لأقبية السؤال»، كما شاركت في مهرجانات وملتقيات شعرية وثقافية كان آخرها مسابقة أمير الشعراء.. وتعمل حاليًا مذيعة ومقدمة برامج بالهيئة السودانية للإذاعة والتلفزيون... «مسارات» التقت الأديبة روضة الحاج التي تحدثت عن تجربتها الشعرية الإنسانية، وخصوصية الشعر السوداني.
* السودان بلد له طبيعة خاصة.. حيث الصحراء والبادية جميعها عناصر كان لها تأثير حول تجربتك الشعرية.. فما قولك؟ ـ السودان بلد له خصوصية من خلال التكوين العرقي والثقافي والتكوين الجغرافي والتاريخي، كله كان مختلفًا ما أدى إلى تكوين منتج إبداعي متميز يحمل في طياته بصمة مختلفة حسب الطبيعة التي يولد فيها هذا المنتج، فالقصيدة السودانية وكذلك اللوحة التشكيلية السودانية تختلف كليًا وجزئيًا عن القصيدة العربية وكذلك الموسيقى السودانية. وعلى مستوى الشعر أعتقد أنه واحد من أهم إبداع شعري في العالم العربي هو الذي يكتب في السودان.. لا أقول ذلك انحيازًا ولكن نتيجة استماعي للعديد من التجارب والشعراء والشعر والقصائد في عالمنا العربي، وأؤمن أن القصيدة السودانية قصيدة متميزة استطاعت أن تجمع هذا الطرب الإفريقي بين قوسين إلى الذائقة العربية العميقة التي استمدت جذورها من التاريخ العربي والثقافة العربية المتجذرة في السودان، إضافة إلى الثقافة الأفريقية التي اكتسبناها بحكم التكوين الذي جمع بين العرب والأفارقة في السودان في حالة خاصة وفريدة جدًا مع الثقافة العربية واللسان العربي، وهذا يفسر اهتمام وانحياز السودانيين للقصيدة الموزونة سواء العمودية أو التفعيلة، لكن أتصور أن ذلك الطرب الأفريقي هو الذي جعل للسودان مكانة متميزة في عالمنا العربي.
شعر البادية
ماذا عن قراءاتك الأولى في الشعر والتي تأثرت بها؟
هي قراءات سودانية في البداية، حيث تأثرت بالبادية السودانية وخاصة شعر البادية لأنه شعر يشبه حد التطابق بالشعر الجاهلي، حيث شعر البادية البطانية فقد كان أبي يقول هذا الشعر وكنت مستمعة جيدة له وأحفظه وأتصور أنه كانت بداية علاقاتي بالشعر، كما تأثرت بالشعر لدى المتنبي وأبو تمام وبعض المعلقات حيث أجد فيها جمالا لا تفقده أبدًا الأيام..
وكانت لي قراءات كثيرة لهؤلاء الشعراء القدامى إضافة إلى الشعراء السودانيين مثل محمد سعيد العباس، التيجاني يوسف بشير، الهادي آدم، كل هذه المجموعة الكبيرة من الشعراء حفظت قصائدهم وتأثرت بها، وأتصور أن مجمل هذه القراءات والعلاقات المختلفة بالشعر هي التي وضعتني على طريق كتابة الشعر.
خصوصية السودان جعلت لك خصوصية إنصاف اللغة العربية من حيث مفردتك الشعرية التي ميزت تجربتك.. فما تعليقك؟
كل شاعر له بصمته الشعرية الخاصة ولغته الخاصة، وهو عمل لا يأتي بالإرادة فقط ولكن بالموهبة الحقيقية وإن كنت قد وفقت إلى ذلك فهو واحد من الأحلام التي يحلم بها كل شاعر، وأتصور أن علاقة الناس في السودان بالشعر واللغة العربية تبدأ من خلال علاقاتهم بالقرآن الكريم، وكثيرًا من الناس يقولون ان اللهجة العامية في السودان هي أقرب اللهجات العربية إلى العربي الفصيح، ربما هذا كان واحد من المؤثرات وحفظي للقرآن الكريم ولبعض القصائد ساعدني كثيرًا في إيجاد بصمة لغوية خاصة بي.
عش القصيد
ما هو المنجز الشعري المفضل لك؟
كل منجزاتي الشعرية وقصائدي هم أبناء أعزاء عليّ، وكل دواويني عزيزة وغالية وكل قصيدة لها ميزاتها وقربها الشديد لى، ولكن بعض القصائد لها معزة خاصة مثل «عش القصيد» حيث طبعت ست مرات في السودان وتقبلها المتلقي بعشق جميل وحفاوة شديدة.
حيث في كل مرة أطبع منها ثلاثة آلاف نسخة وكانت تنفذ بمجرد صدورها وهذه مجموعة يجب أن احتفي بها لاحتفاء الناس بها حتى وصل إصدارها للمرة السادسة، وهي المجموعة الأولى رغم إصدار مجموعات أخرى لي إلا أنها مفضلة لي، لأن قصيدة «عش القصيد» كانت مهملة في ديواني وأنا في الثانوية العامة ولم اهتم بها ولكنها أولى القصائد التي نشرت في الصحافة السودانية ووجدت صدى كبير لدى النقاد حيث كتب عنها الكثير ولفتت أنظار الناس إلى أن في جنوب السودان هناك شاعرة تكتب شعر جميل.
فزت بقصيدة «بلاغ امرأة عربية» في مسابقة أمير الشعراء التي نظمتها هيئة أبوظبي للثقافة والتراث... حدثينا عن هذه التجربة؟
شاركت بهذه القصيدة التي أطلق عليها النقاد بالمجموعة الحديدية، لأن المسابقة شارك فيها شعراء بارزين لذلك أطلقوا عليها الحديدية، وهي مسابقة مهمة أعادت الثقة بأن الثقافة العربية بإمكانها أن تجتذب جمهور المشاهدين وأن الشعر مازال رائدًا في العالم العربي ومفضلاً لدى كثير من الناس والدليل المتابعة الإعلامية التي حظيت بها المسابقة.
هل كنت تتمنين الحصول على مركز متقدم في المسابقة؟
هذه نقطة من النقاط التي يتحدث عنها الناس في نقدهم للمسابقة، ولكنني راضية تمامًا على حصولي على المركز الرابع، واعتقد أن الخمسة الذين وصلوا للمراحل النهائية باعتراف الجميع هم أحق بهم. وقد عجبت للمشاركة السودانية التي كانت عالية بصورة عظيمة تجاوزت توقعاتي فالجميع داخل وخارج السودان كان يتابع هذه المسابقة فكنت سعيدة بهذه التجربة لأنها أتاحت لجيل «التسعينات» أن يتقدموا ويظهروا على الساحة الشعرية العربية.
حدثينا عن الحضور الثقافي للسودان في المحافل الشعرية والثقافية؟
السودان ظلت غائبة ومغيبة في المشهد العربي الثقافي وليس بشكل قصدي ولكنْ هناك شعراء سودانيون نجحوا في الوصول الى القاهرة من خلال الدراسة، أو عبر العلاقات القوية بين السودان ومصر حيث سطع نجمعهم وعرفوا الوسط الثقافي الشعري، لأن القاهرة أتاحت لهم ما لم تتحه الخرطوم فكثيرًا من الظروف عتمت على الحركة الثقافية السودانية والنقدية والإبداعية، فالناس عرفوا الفيتوري والطيب صالح من القاهرة وغيرهم.
محظوظة في حياتي الشعرية
النجاح الإبداعي والثقافي في تجربتك الشعرية.. هل هو نتيجة الظروف التي أسهمت في نجاح هذه التجربة أم ماذا؟
اعتقد أنني محظوظة في حياتي الشعرية نظرًا لأن المشوار أمامي أتاح لي المشاركة الفعالة في الكثير من المحافل الثقافية في الوطن العربي، وأتيح للناس الاستماع إليَّ وأنا أحرض كل من يهتم بالثقافة والأدب أن يبحث في السودان وأن يكشف الكنوز الجمالية على مستوى الشعر والقصة.
إلى أي حد وصلت المرأة السودانية في مجال الشعر والثقافة؟
استطاعت المرأة السودانية في السنوات القليلة الماضية أن تثبت أقدامها بشكل ملاحظ في الحياة السياسية والثقافية والاجتماعية وأصبحت شريكا واضح الأثر في بناء المجتمع واتخاذ القرار، كما تبوأت مواقع سياسية هامة وكثيرًا يعتقدون أنها مثلت سبقًا على المحيط العربي والإفريقي من خلال توليها مناصب في القضاء قبل كل الوطن العربي، وكذلك توليها مناصب وزارية.
الظروف السياسية التي تمر بها السودان هل هي صالح الشعر السوداني؟
السودان بلد قدره قدر صعب، لأن قلما يرتاح هذا الوطن ما ان ينجز سلامة في مكان ما حتى يعاني جراح في مكان آخر.. والشعر ظل متقلبًا، لا أستطيع أن أقول أنه لم يتأثر بالحياة السياسية لأن الشعر هو الحياة مثل المأكل والمشرب ومثل الممارسات الحياتية اليومية لابد أنه تأثر بالفعل بالراهن السياسي والحركة الثقافية في السودان كانت تريد مناخ أكثر استقرارًا، ربما تكون هذه التقلبات هي محرضة لكثير من القرائح الشعرية في أن تنهض بالروح الوطنية وأن يعمل الشعر على تقوية النسيج الوطني أكثر وتمكينه ورفع القيم الجمالية للشعب السوداني.
الحضور النسائي
قالت روضة الحاج ان نسبة التمثيل البرلماني عالية في السودان عن أي بلد عربي آخر، وأعتقد أن البرلمان السوداني هو الوحيد الذي يتيح للمرأة أن تشارك بنسبة 25%، بجانب مشاركتها في الحياة العامة والدواوين الحكومية حيث انتزعت بعض الحقوق التي كانت مغيبة منها الترقيات وفي السلك العسكري حيث قديمًا كانت تقف عند حد معين لكن الآن تجاوزت هذا الحد وأخذت حقوقها المهنية وبإمكانها أن تصل إلى أن تكون رئيسة للجمهورية، حيث أزالت كثيرا من العقبات ويرجع ذلك ربما إلى حد كبير إلى التعليم الذي أصبح واضحًا بشكل كبير والوعي الاجتماعي الذي أصبح ينحاز للمرأة ويعطيها حقها.
الشاعرة
في سطور
ــ روضة الحاج من مواليد مدينة كسلا شرق السودان.
ــ تعمل كمذيعة في الفضائية السودانية.
ــ لها 5 دواوين مطبوعة ومنشورة، منها: عش القصيد، لك إذا جاء المطر، للحلم جناح واحد.
القصيدة المفضلة
تعتبر الشاعرة روضة الحاج أن «بلاغ امرأة عربية» هي قصيدة مفضلة بالنسبة لها و تؤكد أنه حينما تذهب إلى أي محفل شعري يطلب الناس وذواقة الشعر منها قراءاتا في الأمسيات الشعرية وهي تحب هذه القصيدة لأن الناس يحبونها.

