كثيرة هي الطرق التي نعبّدها ونسلكها في حياتنا، ولكنها تُختَصر أولاً وأخيراً في الطريق بالمفرد، وليس إلا الطريق ونحن نبتغي إيصال فكرة إلى الآخر، أو نريد الوصول إلى هدف ما، أو ندخل في حوار مع شخص ما ولو كان ذاتياً، وما الجمع إلا حيلة نجتهد فيها ونصادق عليها يقيناً منا، لنكون أكثر مرونة وانتقالاً من طريق إلى آخر.
ثمة حركة دائمة تعنينا لا نعرف هدوءاً من خلالها، حتى لو كنا في نوم عميق، إذ إن عالم النوم هذا، لا يقل نشاطاً وتميزاً بطرقه المختلفة عن عالم الصحو، إلى درجة أننا نُعرَف بالطريق: طبيعة واتجاهاً ومقصداً، أن الطريق يشير إلينا، وليس علينا إلا أن نمضي فيه، نحدد هذه الجهة أو تلك، نسمّيها، أو نضع إحداثيات، أو تكون ثمة محطات في انتظارنا، ونحن نتحدث عن الذهاب والإياب، عن البداية والنهاية، بينما الطريق شيء آخر يطوينا، كوننا نعبّر عما قطعناه، بينما هو الذي يستهلكنا لأننا مسكونون بهمه.
وما عمرنا إلا هذا الطريق الذي يمتد بين بداية هي ولادتنا ونهاية هي رحيلنا الحياتي الأرضي، وما يجزّيء في العمر ذاته، بالنسبة للحركة التي تتقاسمنا بين أن نكون صغاراً لا طريق لنا إلا هوانا الطفولي، ونصبح كباراً وحينها لا مفر من الطريق الذي نحتكم إليه، أو نلزَم بالسير فيه، لئلا نفقد القدرة على الاتصال بمن هم على شاكلتنا، أو لنحسن التعبير عن وجودنا وفي تأكيد هويتنا وتمثيل الاسم الذي يعنينا نحن البشر فيما نخطط وننفذ، والطريق معلَمنا!
الطريق رفض مبدأ الإقامة، حيث إن بيوتنا أو نُزُلنا أو دورنا التي نزعم أننا مقيمون فيها، لا تمثّل إلا هذا الوهم الذي نشّد عليه باعتباره حقيقة واقعة في الكثير مما نعتمد عليه، بما أننا نعيش حالة تنقل بين أمكنة شتى بأفكارنا وأرواحنا، بخيالاتنا وتصوراتنا في معلوم ناقص ومجهول قائم، بما أن الطريق أكثر مما هو مرئي أمامنا، لأن ما نسلكه ظاهرياً لا يعود وحده معطيً برسم الطريق، فهذا يأتي لاحقاً، وقد قطعنا شوطاً في التفكير والتدبير، وقطع شوط عائد إلى طريق من نوع آخر.
الطريق من الطَّرق، وكأننا نمارس إيقاظ الصمت، ننادي مجهولاً بزاوية ما، أو وفق حالة نفسية معينة، إذ يتسع الطريق أو يضيق، يمتد أو ينحسر، يطول أو يقصر، يسهل سلكه أو يستعصي ضبطه، فيتنوع الأشخاص هنا، ويتنوع الطريق بأسمائه الفعلية ودلالاته المجازية ونحن نذرعه جيئة وذهاباً: طريق الأفراد، الجماعات، الأمم، الأفكار، النظريات، السلام، الحرب...الخ.
كل طريق شقٌّ، والشق تصور مفترَض لمسلك يرسم أثراً لنا تجنباً لضياع ما، بينما الطبيعة لها شأن آخر وهي تحتوينا، الشق أشبه بعملية جراحية، ويصدق ذلك لحظة الحديث عن الأرض: الأم، الأرض التي تحس وتشعر، ونحن منها وإليها، لكأننا في كل شق نروم استقراراً بينما حياتنا تحثنا على الحركة وهي تستوفي حقها منا وبنا، ليندمل الجرح، وبقدر ما يمتد بنا العمر يرسم الطريق الواحد فينا آثاره، آثار جراحاته، صدى جهاته، وكلٌّ منا يهتدي إلى الآخر بطريق مختلف، بقدر ما أن الطريق يكون أكبر وأوسع من كل ما يسمّيه.
إن طريقنا ليس أكثر من أحلامنا وخططنا، وحتى افتراضاتنا، لأن ثمة ما يتجاوزنا باستمرار، ما يسبقنا وما يعبرنا، فنكون رهائن الطريق، معطوفين عليه في حياتنا، مشدودين إلى المجهول الذي يشير إليه دون أن نجزم بحقيقته، حتى ونحن أحياء، وهذا يقودنا إلى النسبية فيما نقول ونفعل، إلى تلك القدرات التي نمتلكها ولا يمكنها أن تستجيب لهذا الطريق الذي يستحيل البت في أصله بدايةً، وما سيكون عليه نهاية.
وأصحاب القناعات الكبرى، من هم على وعي موسوم إيمانياً، ليس لديهم سوى إرادة التسليم والاستسلام بأن الطريق الذي يشغل عليهم أفكارهم وبإيقاعات مختلفة، هو الحقيقة الوحيدة التي تهبهم أمناً نفسياً ما، تربطهم بما يفوق قدراتهم الذاتية في الإحاطة بالعالم الذي هم فيه.
وذلك طريق آخر، ليس في وسع أي كان أن يقطع شكه بيقينه وهو يتحدث عنه، وفي الحالة هذه، يمكن تصور اختلاف البشر في معتقداتهم وتقاليدهم التي ترتد في جوهرها إلى ذات الطريق وهو يتلون ويحمَل بإشارات إيمانية، تلبية لرغبات لا تنقطع في الحياة وتنوع الخيارات كذلك، ليكون الطريق أكثر ألفة، وهو الذي يحمل أسرار من يسلكونه متكتماً عليها، فكأنه هو من يسلك بهم حقاً وليس العكس!
إبراهيم محمود
