أحلى ابتسامة يمكن أن تجسدها عدسات الكاميرات هي ابتسامة طفل حديث الولادة في أيامه الأولى.. فهي كل الإعجاز.. وفرحة الدنيا.. وكل الجمال الذي لم تلهُ به الدنيا بعد..
فسرها علماء السلوكيات ومنهم دكتورة «بينيلوي لينبش» بأنها ابتسامة وضحكة تنفرج لها قسمات الوجه وتتسع معها عيون الصغير، ولكنها دونما مغذى معين، ولكن... عندما يتعدى الوليد شهره الأول تتغير معنى الابتسامة إلى الضحك الهادئ عندما يرى والدته أو يشم رائحتها الفطرية أثناء الرضاعة، وفي المقابل نجدها هي الأخرى تضحك وتبتسم في وجه صغيرها، ابتسامة حب يستمر العمر كله.. وشكرا لله على هديته لها. فالإنسان مخلوق ضاحك بالفطرة، تتعدد لغات شعوب العالم ويظل الضحك والابتسام لغة مشتركة فيما بينها.
علامة استفهام وتعجب معاً ظل العلماء يطرحونها، وهما: لماذا لم يتعلم الإنسان الضحك أو لم يسع لذلك؟! ولم يصلوا حتى الآن لنتائج معينة، إلا أنهم أكدوا بأن الضحك له مواقف كثيرة منها الفرح وربما هنا يختلط بالدموع، المواقف الكوميدية، مواقف مد الجسور بين الناس ومواقف الترحيب المفرط الذي اختصت به الشعوب الشرقية وضحكاتها تعرف بالضحكات الساخنة، أما الشعوب الغربية فضحكاتها هادئة في أحيان كثيرة لا تتعدى الابتسام، ولذلك الكوميديا الشرقية مثل كوميديا الموقف الذي اشتهرت بها المسارح والأفلام المصرية واللبنانية والسورية على وجه التحديد، لا تنزع الضحكات من القلب والوجدان، وإنما هي ضحكات تخرج بتلقائية وعفوية شديدتين، وربما يظل الإنسان يضحك أياماً بعد مشاهدته الفن الكوميدي خاصة الذي تكون فيه البطولة لعمالقة كبار مثل نجيب الريحاني المعروف باسم «المضحك ـ المبكي، وفؤاد المهندس وعادل خيري، وعادل إمام وغيرهم الكثير والكثير، مثل دريد لحام وغيره...
ولكن المحدثين من العلماء الذين يتبعون ما يعرف بالمنهج المادي في تفسير الأمور، يقولون عن الضحك بأنه نتاج فسيولوجي يتصل بإشارات من المخ إلى نفسية الإنسان، فيضحك في المواقف التي تستدعي الضحك، وأوضحوا أيضاً بأن الضحك قد يخرج من كونه انفعالاً إيجابياً بالفرح إلى ضحكات هيستيرية تعبر عن مواقف الإحباط من الدرجة الأولى التي لا تندفع معها الدموع أو الصرخات أو الغضب، وهنا يكون الضحك الهستيري نوعاً من الهزل أو خيبة الأمل.
وللضحك آداب خاصة أوردتها كتب الأدب العربي بصفة خاصة ـ فيقول منصور الثعالبي في كتابه «فقه اللغة وأسرار العربية» بأن الضحك لابد وأن يكون وقوراً ولا يخرج عن المألوف خاصة لدى المرأة، فلابد من السيطرة على الصوت المصاحب للضحك «كالكركعة»، أو التلويح باليدين، والقهقهة في مظاهر غير محببة تعكس همجية الضحك ـ على حد قوله.
ويؤكد بعد ذلك الفيلسوف الألماني «نيتشه» بأن هناك مراتب للضحك، الابتسام ثم اتساع الابتسامة ثم ضحكة تملأ الوجه فينير من الفرح وقد يصحب ذلك أصوات هادئة.
ويضيف بأن هناك أنواعا من الضحك، ضحك الفرح والمرح والبهجة، وضحك التواصل مع الناس، والضحك العصبي الهستيري، وهو بالتحديد تفريغ شحنة خوف إلى ضحكات هيستيرية حتى لا يصاب الإنسان بالرهاب أو الخوف المرضي، ومثل هذه الضحكات تشتق من الخوف.
هناك أيضاً ما يعرف بالضحك الساخر، وهو الضحك على تصرفات الآخرين، وهذه النوعية من الضحك ـ كما أكدها الدكتور شوقي ضيف في كتابه الشهير «الفكاهة في مصر»، هذه النوعية من الضحك غالباً ما تصحبها بعض الكراهية للآخرين.
والضحك هو علاج نفسي جماعي للعديد من الأمراض النفسية وبعض الأمراض العصبية البسيطة كالرهاب «الخوف المرضي»، ومنذ قرون تنبه الفراعنة والإغريق من أن الضحك هو نصف العلاج، ولذلك صرحت هذه الحضارات العملاقة على بناء المصحات النفسية بالقرب من المسارح المكشوفة التي اشتهر بها الفراعنة والإغريق والرومان، حتى يسهل اصطحاب المرضى إلى المسارح هذه ـ ولو في عروض خاصة ـ حتى يهيئوا هؤلاء المرضى ـ عن طريق الضحك والتواصل الجماعي مع الناس والممثلين ـ للعلاج النفسي الذي يتم داخل هذه المصحات، والجميل في الأمر أن الحكماء «الأطباء» في عهد الفراعنة كانوا يرتادون الأقنعة الملونة الضاحكة حتى لا يخاف المريض من جلسات العلاج، وكانوا ـ كل من المريض والحكماء ـ يتبادلون الأقنعة الضاحكة أثناء جلسة العلاج، فيتحول المريض من مريض خطير على نفسه إلى شخصية فيها طواعية وسلاسة يمكن السيطرة عليها.
وماذا عن المتخصصين في فن وعلم التجميل؟
لديهم الكثير حول ايجابيات الضحك، فماذا يقولون؟
من جعبتهم الملونة بالمساحيق تخرج الإجابات، فالضحك ـ كما يقولون ويؤكدون ـ له تأثير إيجابي على تأخير شيخوخة البشرة ـ بشرة الوجه والعنق ـ بالتحديد فالضحكات المتوازنة تشهد الجلد المحيط بالعيون وتفرد الجبهة، وتقوي العضلات الموجودة حول الأنف والفم وهي جميعها المناطق التي يحدث بها الترهلات وعدم الكولاجين، وهي مادة هلامية طبيعية يفرزها الجسم وتوجد تحت البشرة لشدها، وعندما تقوى عضلات الوجه يظل الكولاجين في حالة إفراز مستمر.
أما التكشير المستمر لدى بعض الناس وخاصة السيدات فينتج عنه حفر خطوط طولية وعرضية في مناطق الجبهة وحول الفم والأنف بسبب انقباض العضلات بالتكشير في هذه المناطق، على عكس الانبساط الذي يحدث للعضلات هذه في حالة الضحك، والانقباض هذا علاجه الحقن بالبوتوكس وهو علاج وقتي تحفه أحياناً بعض المخاطر.
ترى ما الأسهل هنا؟ أن يودع الإنسان تقلصات الوجه، ويبدأ في وضع خطة من المرح والتداوي بالضحك حتى تتأخر شيخوخة ملامحه.
وماذا يقولون أيضاً؟
يبدو أن المتخصصين في التجميل، هم أنفسهم من عشاق الجمال، فالوجه الوردي اللون هو من تخصصاتهم عن طريق لمسات من فرشاة كبيرة ناعمة حانية على البشرة تضفي عليها لمسات لونية متدرجة من الوردي بعد انغماسها في علبة أنيقة تعكس تدرجات هذا اللون، وهناك اختبارات كثيرة حسب المناطق التي تكسى باللون، فوجدوا أن الضحك يضفي تدرجات هذه الألوان الوردية على الوجه على طريق سريان الدم فيه متفرقاً بين منطقة وأخرى حسب عمق المكان في الوجه.
وانتقالاً لعلماء السلوكيات الذين يهتمون بنظريات الضحك، نجدهم يؤكدون أن أكثر الضحكات الخارجة من القلب تكون لدى النساء، فهن صريحات بالفطرة إلا من بعض الاستثناءات، أما الرجال وخاصة الشرقيين منهم فيعتبرون أن الضحك يقلل من الهيبة، وأنه يخفف من ثقل شخصيتهم، أما انهم يعشقون «النكد» خاصة في منازلهم! العهدة على العلماء!
أما الأطفال فهم أكثر المخلوقات ضحكاً.. بريئاً.. جميلاً.. يخفف على كل من حولهم أعباء السنين والأيام وفي فيلم «دم الغزال» يتعرض الفنان الكبير نور الشريف من خلال حوار مع نفسه في أحد المشاهد التي تعتبر من مشاهير القمة «الماسترسين» master scene بقوله: «لما تضحك وتفتح شباكها... تشرق الشمس وتضحك لها»..
نِعْم التعبير والحب الكبير الرومانسي
ولابد أن نعكس كذلك رأي الطب «الطب العضوي»، فينصح كل الأطباء في كل التخصصات ما عدا أطباء القلب، ينصحون بالضحك لأنه يقوي الجهاز المناعي ويحمي الإنسان بالتالي من الأمراض، عن طريق الضحك وتزيد نسبة الأكسجين في الدم لتصل إلى معدلها المطلوب 98%، الفكاهة تنشط العقل والخيال، والخروج من واقع قد يكون قاسيا، المرح المصحوب بالضحك يزيد من إنتاجية الفرد في المجتمع لأنه سيكون خاليا من الأمراض والضحك ـ كما يؤكد الأطباء ـ يخفض من ضغط الدم، وبالتالي تسترخي العضلات، ويشعر الإنسان بالراحة الجسمانية والذهنية.
ويمكن لمريض القلب أن يضحك ولكن بعيداً عن الانفعال حتى لا تزداد عضلة القلب انقباضاً فيضيق التنفس.
وبعض المتشددين دينياً لهم تحفظات على الضحك ولكن العكس هو الصحيح، فالإسلام دين دنيا وآخرة معاً، ولكن الضحكات الوقورة والابتسام الجميل هما ما يحث عليهما الإسلام، ففي سورة النمل الآية 19 جاء قول الله سبحانه وتعالى «فتبسم ضاحكاً من قولها».
وأوصى سيدنا الحبيب محمد صلى الله عليه وسلم بالابتسام والضحك «تبسمك في وجه أخيك صدقة».
وإذا ابتعدنا قليلاً عن عالم الإنسان بكل تعقيدات ظواهره، وتسللنا بحرص إلى عالم من المخلوقات الأخرى كالحيوانات، فنجدها أيضاً مخلوقات ضاحكة، ليس على الإطلاق، وإنما البعض منها، وقد فسر العلماء ذلك بأن هناك حيوانات تبدو ضحكة على وجهها وليس ضحكا بالمعنى المعروف، مثل البطريك «البخوين»، ولكن هناك من يضحك بحق وكأنه يقاسم الإنسان عالما وهو سمك الدلافين «الدولفين» فهي ضحوكة سريعة التعلم لديها سرعة بديهة ـ أليفة في خصائص طبائعها، ومحبة للإنسان..
أيضا بعض من الخيول الاسترالية قصيرة القامة المعروفة باسم «بوني»، فهي تستقبل القائم على رعايتها بصيحة عالية مع تغير ملامحها إلى ملامح الفرح وكأنها تضحك وتبتهج بقدومه ليقدم لها الطعام والشراب أو يصحبها في نزهة.
وفي ألمانيا وبالتحديد في مدينة ميونيخ، يقام سنوياً مهرجان يعرف بمهرجان «المرح والضحك» lacher featial يجوب شوارع المدينة بأناس يضحكون أو يرتدون أقنعة ضاحكة ـ حاملين الزهور، يطلقون الأغاني ذات البهجة والضحك.. وهو يوم عطلة في المدينة وعلى الشعب المشاركة في هذا المهرجان الجميل الذي يجفف من برودة الأجواء وبرودة النفس.
... ومن هنا... الضحك سلوك جميل في عالم خيمت عليه الرماديات.!
شعور بالأمان
يؤكد الفيلسوف الأميركي «جون موريل» أن الضحك وسيلة تخاطب مرحة بين الشعوب، يفلتر الهموم وتجلب الارتياح ويشعر الإنسان بإنسانيته وبالأمان والحب والمشاركة.
نوعان
من الضحك
يوضح عباس العقاد، بأن لكل مناسبة في حياة الإنسان نوعا خاصا من الضحكات ـ نحن نضحك لأسباب متعددة وكان للضحك لغات وحالات شتى لدى الإنسان.
ضحك عنيف
الكاتب الفرنسي «موليير» يقول في أحد مقالاته، بأن في أحايين كثيرة وخاصة في حالة الضحك الهستيري يزداد الإنسان عدوانية إذا لم تسيطر عليه تماما! فغالباً الضحك الهستيري ينتهي بالعنف على الذات نفسها.
منى مدكور


