من جديد تعود لتطل على القراء الرواية الأكثر نجاحاً والأخف ظلاً وروحاً للروائية الأميركية صينية الأصل جيش جين، والتي تحمل عنوان «أميركي تماماً»، حيث تروي لنا المؤلفة قصة المهاجر الأميركي من خلال عائلة تشانج، التي قدمت إلى الولايات المتحدة أولاً من دون أن تعتزم البقاء فيها، وعندما سيطر الشيوعيون على مقاليد الأمور في الصين في عام 1949، قرر رالف تشانج وأخته تيريزا وزوجته هيلين البقاء في أميركا.
غير أنهم وجدوا أنفسهم في أزمة، وهم في البداية يتشبثون بأفكار عالمهم القديم عن أنفسهم، ولكن مع بدء انغماسهم في الحلم الأميركي عن ابتكار أنفسهم، فإنهم ينتقلون بصورة مؤلمة وساخرة في آن من أناس يتخفون بكل ما هو «أميركي تماماً» إلى أناس يمكن النظر إليهم بدورهم على أنهم أميركيون تماماً.
وبكثير من المرح والتوحد العميق مع شخصياتها فإن جيش جين تبدع ذلك التنويع على الحكمة واللماحية حتى فيما هي تتحدى القارئ أن يعيد النظر فيما يعنيه كون المرء أميركياً تماماً اليوم.
والواقع أن ما يحرك هذه الرواية ويدفع أحداثها قدماً حتى النهاية ليس إلا صوتاً متعاطفاً وباسماً وحساسية مميزة، حيث نجد أنفسنا حيال صورة تجمع بين القتامة والمرح عما تصادفه عائلة تشانج في أميركا.
تبدأ الأحداث مع قدوم لاي فو تشانج إلى الولايات المتحدة في عام 1947 للدراسة للحصول على درجة الدكتوراه في هندسة الكهرباء، وهو يغير اسمه إلى رالف بالطريقة الهوجاء المندفعة التي ينجز بها كل شيء آخر، ويهمل تأشيرته، ويغدو مفلساً عندما تكتشفه أخته الكبرى تيريز وصديقتها هيلين، التي أرسلتها عائلتها للهروب من الشيوعيين.
يتزوج رالف من هيلين، ويصبح الثلاثة عائلة تنغمس في حياة الأميركيين من أصل صيني، ويحاول رالف القيام بدور القائد الذي يوجه دفة سفينة العائلة.
ولكن زوجته واسعة الحيلة وأخته المضحية بنفسها هما اللتان تمضيان بالعائلة قدماً خلال الأوقات السيئة، بعد أن تتوثق عرى الصلة بين رالف ومحتال يدعى أنه مليونير يقوم بإغواء هيلين ويصل بالعائلة إلى مشارف الخراب المالي.
وتقدم لنا المؤلفة صدوره أميركا من خلال عيون هؤلاء المغتربين الذين يحاولون الحفاظ على لغتهم وتقاليدهم بينما يحاولون مد الجسور نحو الحلم الأميركي بالنجاح والثراء.
وتختصر جين الثقافتين في مقارنة موجزة وبارعة: «الطريقة التي يحب الأميركيون بها أن يتحركوا ويحب الصينيون أن يتوقفوا، فإن الإزاحة سقوط ونفي».
والصور التي تقدمها المؤلفة جديدة ومفاجئة. «كانت الشمس هائلة وخفيضة.. بوابة قمرية تنفتح على حديقة جحيمية». ويتدفق خيالها منطلقاً: «أومأ مؤكداً على نحو قوي، حتى أن شطيرته سقطت منها شريحة من المخلل».
لكن الأمر الأكثر أهمية، في هذه الرواية، أن جيش جين تبرهن على أنها روائية من طراز فريد، تستحضر باقتدار آفاق التجربة الأميركية ـ الصينية.
وتعيد إلينا هذه الرواية أصداء إبداع إيمي تان وتيموثي مو، حيث تتبع خيوط الأمل في حياة المهاجرين الصينيين الحافلة بعناصر اليأس، فنجد أنفسنا أمام رواية تتوالى أحداثها بقلم فرج مداده بالتعاطف والمراح.
ويلفت نظرنا انطلاق عائلة تشانج نحو الانغماس في الحلم الأميركي في الوقت الذي تصر على التمسك بالقيم الصينية، وعندما يبدو أنها على وشك الإمساك بحلمها، فإن وهج الحرية يبرهن على أنه بالغ الاستقصاء على الإمساك به.
وعلى الرغم من أن رالف يحقق ما جاء إلى الولايات المتحدة لإنجازه وهو الدراسة للحصول على درجة الدكتوراه في الهندسة، إلا أن حلمه بالوفرة المالية يبرهن على طبيعته المراوغة إلى أبعد الحدود.
ويظل الواقع الصارم صارخاً، على نحو ما تعتبر المؤلفة: «إذا كان لديك المال فإن بمقدورك أن تفعل أي شيء، أما إذا كنت بلا مال، فإنك نكرة، إنك رجل صيني».
وبالمقابل فإن تيريزا تصبح طبيبة، وترتبط عاطفياً برجل متزوج. أما هيلين فإنها تتزوج من رالف، ويتمثل الحلم الذي يطاردها دوماً في ملكية بيت في الضواحي.
هكذا فإن الرواية تدور، في جوهرها، حول حياتهم اليومية، في أميركا، وكيف يتأقلمون معها، ويتعلمون منها، ويتغيرون ليتلاءموا مع الحياة في بلاد تعد الحرية تحت آفاتها حلماً ولعنة في آن.
ونحن لا نملك إلا أن نرصد الروح المرحة عند المؤلفة، وقوة الأداء على امتداد الكتاب، والصور البديعة غير المتوقعة التي تخاطب خيال القارئ، وتعليقها على المجتمع الأميركي والمجتمع الصيني يدعو إلى الكثير من التأمل والتفجير ومحاولة الوصول إلى خلاصات حول المشكلات الأكثر تعقيداً.
ولم يكن من قبيل الصدفة أن تقابل هذه الرواية المدهشة في طبعتها الجديدة، بالكثير من الترحيب.
هكذا نقرأ في صحيفة «لوس أنجلوس تايمز» هذا التعليق الدال: «إن جيش جين قد أنجزت ما هو أكثر بكثير من سرد قصة خيالية.. فقد أنجزت ذلك على نحو أكثر وأفضل مما تم القيام به من قبل».
وتقرأ في صحيفة «بوسطن جلوب» الإشارة إلى أن: «تجربة المهاجر لن تكون هي ذاتها أبداً، كوميديا.. تراجيديا.. بهجة خالصة».
وتقول «نيويورك تايمز بوك ريفيو» في معرض التعقيب على الرواية: «ما من عبارة يمكن أن تصف بهاء نثر جيش جين وقدرها على الاستحضار البارع والسريع.. والمؤلفة لا تفتأ تفاجئك سطراً مدهشاً بعد الآخر».
وتقول مطبوعة «ببلشرز ويكلي» المتخصصة: «هذه الرواية المفعمة بالمرح والتعاطف تقدم لنا قصة طالب صيني يحاول التأقلم مع الحياة في أميركا».
وبدورها تقول كاثلين هيروكا من جامعة ستانفورد في معرض التعليق على الرواية: «هذه حقاً قصة أميركية بامتياز، مؤلمة ومروية ببراعة، تتناول مهاجرين يحاولون التأقلم مع الاحتمالات المطروحة في أميركا والضوابط التي تفيدها وعناصر الإحباط التي تحد منها، مع التشديد على ضرورة النسيان والتسامح».
وتظل هذه الرواية حقاً عملاً جديراً بالقراءة والتأمل ومحاولة الفهم، شريطة أن نتابع ما بين السطور، وأن نرصد الإشارات العديدة إلى أنه في ثنايا الحلم الأميركي بالحرية بلا حدود تبرز القيود والأغلال التي كانت على الدوام جزءاً من حياة العالم الجديد ووجوده.
ومن المحقق أن القارئ سيدرك، في غمار هذه المتابعة، أن الحرية، بمنطق الحلم الأميركي، هي حلم كبير، ولكنها أيضاً لا يمكن إلا أن تكون لعنة في أرض أهدر عليها دفق لا ينتهي من دماء الضحايا والأبرياء.
الكتاب: أميركي تماماً
تأليف: جيش جين
الناشر: نوف نيويورك 2009
الصفحات: 304 صفحات
القطع: المتوسط
Typical American
Gish Jen
Knopf, n.y.2009
P.304
