عزيز نيسين هو الاسم المستعار للكاتب التركي محمد نصرت نيسين وذلك لدواعي السلامة من ملاحقات الأمن السياسي التركي لحقبة من الزمن كان فيه سقف الحرية منخفضاً في بلد يكاد يفقد هويته الحقيقية، فلا هو للغرب ومقبول من الغرب، ولا هو للشرق ومنسجم مع الشرق.

ونيسين المولود في جزيرة تركية قرب اسطنبول سنة 1915 نشر أكثر من مئة عمل أدبي في الرواية والقصة والمسرحية وأدب الأطفال ونال العديد من الجوائز من مختلف دول العالم ولكنه لم ينل في بلده سوى جائزة المَجمع اللغوي التركي عن مسرحية «جيجو» سنة 1969. درس نيسين في الكلية العسكرية وتخرج برتبة ضابط في ذات الوقت الذي كان يدرس فيه بكلية الفنون، وكتب المقال والقصة والشعر في عدة صحف بأسماء مستعارة حتى أنه استخدم اسم علي بابا واسماً أنثوياً هو «وديعة نيسين» حين كان ينشر أشعاره في مجلة «الأيام السبعة». وبقي اسمه المستعار عزيز نيسين وهو اسم أبيه واسم الشهرة في آن واحد حتى اليوم.

وكانت بعض أسباب سجنه تافهة كانتقاده لسياسة الرئيس الأميركي هنري ترومان أو ترجمته لأجزاء من كتاب ماركس.

وكما عاش نيسين بأسماء مستعارة فإن بطل روايته «الطريق الوحيد» باشازادة هو أيضاً عاش منتحلاً لأسماء عديدة بسبب تعدد احتيالاته التي تجاوزت الثمانمئة احتيال، ويوحي نيسين في الرواية وكأنّه ممثلٌ فيها، فالراوي في الرواية والذي لم يُعرف له اسماً فيها هو الصحافي العارف بشخصية باشازادة ويشهد له بالثقافة العالية كان يدون ما يقصه عليه باشازادة الذي شاركه السجن طويلاً بعد أن التقى به في سجن «باشا قبصي».

يحدثنا الراوي أن باشازادة كان شخصاً خمسيني العمر ومن كثرة ما يكرر حكاياته المثيرة يُصّدق ما لفقّه هو من كَذِب، ولهذا أيضاً تُصبح حكاياته مقنعة ومؤثرة، حتى أن باشازادة نفسه ما عاد يُميّز بين ما وقع له فعلاً وما لفقّه، ويغلط بين شخصيته الحقيقية واسمه الحقيقي!

وباشازادة الذي صار فناناً في الاحتيال، ولكي يُسكت ضميره يبرر لنفسه أفعاله قائلاً: «ما الذي يطلع بيدي.. المكتوب على الجبين لازم تراه العين».

وحين يزور الراوي بعد خروجه من السجن صديقه الصحافي الذي افتتح مطعماً على شاطئ البحر في بندك يجد باشازادة يعمل هناك رئيساً للخدم وهو يشبه دبلوماسياً قضى عمره في موقع متقدم في وزارة الخارجية. احتار الراوي وهو يشاهد الذعر مشفوعاً بالتوسل في عيني باشازادة كي لا يُخبر صاحب المطعم عن هويته، فقد كان يُطرد من كل عمل يُكتشف فيه أمره، وباشازادة يتمسك باسمه المنتحل خلال حادثة احتيال ليعيش معه في حله وترحاله، مماثلاً لتمسك عزيز نيسين نفسه باسمه المستعار تماماً.

وباشازادة اكتسب العديد من طرق الاحتيال من أقرانه في السجون المتعددة بعد أن أصبح زبوناً دائماً فيها، ويرى أن صوته وطريقة كلامه تمنح الثقة لمن يقابلهم مما يساعده على الاحتيال.

وباشازادة الذي كان يمكن أن يتخرّج ضابطاً دفع الثمن غالياً حين ارتدى ملابس الباشا منتحلاً شخصيته بعد أن كُشف أمره وهو يقوم بجولة تفتيشية ليلية في المدرسة العسكرية من أجل المزحة مع أصدقائه ففصل وتغيرت حياته من يومها إلى ما آلت إليه. وليجد بعض أصدقائه في الدراسة فيما بعد وقد تقلّدوا مناصب مختلفة ولكنهم يستغلونها بأفظع الطرق وأقساها مع الجميع حتى شملته هو رغم معرفتهم به وصداقتهم السابقة.

كان باشازادة يشعر بالمرارة حين يُلقى عليه القبض بتهمة ما، سواء أكانت حقيقية أم ملفّقة، لأنه يدرك أنهم سيحمّلونه فوقها وزر كافة قضايا الاحتيال للفترة السابقة والتي قام بها محتالون غيره، ثم يُعرضونه على الصحافيين الذين يتلذذون بالتقاط الصور له، أو حين يحصلون على تصريح منه ولو مقتضب، قبل أن يُجرجر في كافة مخافر اسطنبول إن لم يكن تركيا كلها.

ولكن باشازادة الذي كان يستمتع بمعرفة الناس ثم خداعهم ثم الفرجة عليهم يرى أنه سلك ذلك الطريق مجبراً بعد أن تآلف وتحالف المجتمع ضده ويتساءل إن كان الأمر برمته خللاً خاصاً أم خللاً عاماً، وقد أظهرت الكثير من احتيالاته مدى سذاجته أيضاً وفشله في محاولاته اليائسة والبائسة في أن يشق طريقه في الحياة ويعيش كالآخرين! فهو حتى حين يتظاهر بالجنون يكتب الطبيب تقريره: «مريض نفسي لا يستطيع العيش دون احتيال».

والراوي الذي كان يتابع حكاية باشازادة حتى قيل انه لم يظهر محتال يفوقه، يأسف لموته وهو يقرأ الخبر في الجريدة ويرى أن موته خسارة، على الأقل لصفحات الحوادث التي يتابعها قرّاؤها بشغف، قبل أن يكتشف أن ذلك واحد من أغرب احتيالات باشازادة بعد أن وجده صدفة وهو يعيش في منطقة نائية من الحدود موظفاً بسيطاً لكي يتخلص من ماضيه ويبدأ حياته هناك نزيهاً مخلصاً لعمله باسم مستعار لميت.

وباشازادة الذي يرى أن كل ما قام به وارتكبه من احتيالات كان عن غير إرادته بعد أن أغلقت جميع الطرق في وجهه، سوى ذلك «الطريق الوحيد» والمؤدي دائماً إلى التشهير والسجن.

كريم السماوي

Sama5678@yahoo.com

الكتاب: الطريق الوحيد

تأليف: عزيز نيسين

ترجمة: عبدالقادر عبد اللي

الناشر: دار المدى للثقافة والنشر

الصفحات: 502 صفحات

القطع: الكبير