كرّس ريشار لابيفيير اهتماماً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط وخاصة لفلسطين ولأوضاع المسيحيين في المشرق العربي. وفي هذا الكتاب الجديد «مذبحة أهدن» يعود بالقارئ إلى تاريخ 13 يونيو 1978 وإلى شمال لبنان، أي إلى ذلك اليوم الذي جرت فيه «مذبحة إهدن» التي ذهب ضحيتها نجل الرئيس اللبناني الأسبق وعائلته بشكل وحشي وبشع.

يقدم ريشار لابيفيير لمحة تاريخية عن التطورات التي شهدها لبنان خلال العقود الثلاثة الأخيرة حيث يتوقف عند بعض المحطات الرئيسية مثل اغتيال يشير الجميّل قبل أن يتم تنصيبه رسميا كرئيس للبنان، ومجزرة صبرا وشاتيلا حيث كان المؤلف يعمل آنذاك، كما يشير، مع قناة تلفزيونية سويسرية. ويحكي أن زميله «بيير باسكال روسّي» الذي كان قد رأى مجازر أخرى سابقا قد «أجهش في البكاء» يومذاك وفعل مثله المصوّر التلفزيوني المرافق له. ومن بين الأحداث الكبرى التي شهدها لبنان «مذبحة إهدن»، التي يرى فيها المؤلف تعبيرا عن «التنافر العميق بين قسم من مسيحيي لبنان يقولون بانتمائهم الكامل للعالم العربي والقسم الآخر الذي يزعم أن ينحدر من الفينيقيين وبالتالي لا يقاسم العالم العربي ـ الإسلامي ثقافته وتاريخه». هذا القسم «الفينيقي» اختار سياسيا، كما يشرح المؤلف، التحالف مع إسرائيل باعتبارها «رأس جسر للغرب المسيحي ـ اليهودي» و«للعالم الحر وقيمه الديمقراطية».

ونقرأ في وصف المذبحة أنه بتاريخ 13 يونيو 1978 في جبل شمال لبنان قامت وحدات مقاتلة من حزب الكتائب، اعتبارا من منتصف الليل بمحاصرة منطقة إهدن، معقل أسرة فرنجية.

وعند الساعة الرابعة صباحا بدأت «عملية الارز» التي ذهب ضحيتها النائب طوني فرنجية وزوجته فيرا وابنتهما ذات الثلاث سنوات و28 فردا من أبناء تلك القرية. ويحدد المؤلف القول أن جهاز الاستخبارات الإسرائيلي، الموساد كان قد اخترع مفهوم «الاغتيال الهادف» عبر قتل قائد مسيحي لبناني معروف بعدائه لإسرائيل.

ويقدّم المؤلف في التحليلات المقدّمة مجموعة من البراهين على أن إسرائيل كانت هي «العقل المدبّر» لتلك العملية.

ويذكر ريشار لابيفيير أن الكثير كتبوا عن «مذبحة إهدن» ولكن دون الخوض بعيدا في الأسباب وفي البحث عن المسؤوليات.

ومن الملاحظ أن «قانون الصمت» هو الذي يسودز ولا يتردد مؤلف هذا الكتاب القول انه «جرى التحضير لهذه المذبحة قبل فترة طويلة من وقوعها». بل ويذهب إلى حد القول أنها ليست بعيدة عن تفاعلات قوس الأزمات في الشرقين الأدنى والأوسط، وبهذا المعنى ليست بعيدة عن التوازنات العالمية و«كأن الظرف اللبناني يشتمل في إطاره على الظرف الإنساني كله».

ويشرح المؤلف كيف أن «مذبحة إهدن» تركت آثارها العميقة على أهل إهدن وجوارها، وأصبحت بمثابة «تاريخ فاصل» له ما قبله وما بعده حتى بالنسبة للأجيال التي وُلدت بعدها، وهي التي حدثت منذ ما يزيد عن ثلاثة عقود من الزمن.

وهو ينقل عن الكاتب «الزغرتاوي» جورج فرشخ قوله: «بعد ثلاثين سنة لا تزال تلك الليلة المأساوية بمثابة خط فاصل.

فأهل المنطقة، وحتى الأجيال المولودة بعد تلك الأحداث لا تزال تحدد نفسها سياسياً واجتماعياً وإنسانياً تبعاً لمذبحة إهدن».

ويستعرض ريشار لابيفيير «التحضير العسكري لعملية الارز» شهادة أحد القادة القدامى في جهاز استخبارات حزب الكتائب، كان قد التقى به في باريس بعد مفاوضات استمرت ستة أشهر وحرص على أن تبقى هويته مجهولة. إنه ينقل عنه تأكيده أن تلك «المجزرة» لم تكن نتيجة تطور مفاجئ في عملية طارئة ولكنها نتيجة عملية عسكرية جرى تحضيرها بفترة طويلة قبلها».

وتذهب في نفس الاتجاه شهادات عديدة أخرى يسوقها المؤلف. كما يشرح على مدى فصل كامل ما يسميه: «دسائس الموساد».

هنا أيضاً يروي المؤلف ما جرى أثناء العديد من لقاءاته مع عدد من الإسرائيليين وحيث كان القاسم الأكبر الذي يجمع بين أغلبيتهم هو «البحث عن المعلومات».

لكن بعيدا عن جميع التصريحات كما يقول ريشار لابيفيير لا تزال هناك «الحقيقة» الكاملة غائبة.

ويؤكد على ضرورة التنقيب في هذا الماضي، كي يمضي بالفعل ويفتح المجال أمام المستقبل. مع ذلك تبقى المصالحات عسيرة، كما جاء في عنوان فصل من الكتاب.

المؤلف في سطور

يترأس ريشار لابيفيير تحرير مجلة «الدفاع»، «ديفانس» الصادرة عن مركز الدراسات العليا للدفاع الوطني الفرنسي. وهو مؤلف العديد من الكتب في عدادها «الباكستان» و«التحوّل الكبير: من بغداد إلى بيروت» و«بيت لحم في فلسطين»؛هذا الكتاب الأخير بالاشتراك مع بول بيّان.

الكتاب: مذبحة إهدن

تأليف: ريشار لابيفيير

الناشر: فايار باريس 2009

الصفحات: 385 صفحة

القطع: المتوسط

La tuerie d'Ehden

Richard Labévière

Fayard - Paris 2009

P.385