تشكل مسألة التنمية أحد المواضيع الأساسية المطروحة للنقاش في العالم اليوم. وذلك بسبب علاقتها المباشرة والقوية مع قضايا الهجرة والأمن والاقتصاد. وهذا الكتاب الجماعي «معارف وسياسات التنمية» هو مساهمة في «المسائل المطروحة للنقاش في فجر القرن الحادي والعشرين»، كما يقول عنوانه الفرعي.

ويناقش المساهمون فيه، وجلّهم من الذين قدّموا مساهمات عديدة في مجال التنمية، مختلف المسائل المتعلقة بالتنمية المنشودة في إطار العولمة السائدة. يؤكد المساهمون في الكتاب على وجود أشكال عديدة من «التوترات» بين «المعارف الأكاديمية» التي تعرّضت لها أدبيات كثيرة وجرى تدريسها في المعاهد والجامعات والتي تقوم بشكل رئيسي على القول بوجود نوع من التنابذ بين مجالات التنمية مما يستدعي الفصل بينها وبين الرؤية الأخرى القائلة بضرورة القيام ب«مقاربة» تأخذ في اعتبارها التداخل بين مختلف مجالات التنمية، فمثل هذه المقاربة هي ذات «فائدة أكبر» لسياسات التنمية، كما يقول أصحاب هذا الرأي.

كذلك تتم الإشارة إلى وجود تباينات حول مفهوم التنمية نفسه، وذلك تبعا للموقع العلمي والإيديولوجي الذي ينطلق منه الباحثون.

هكذا يبدو الفرق واضحا بين من ينظر إلى التنمية من موقع المحلل السياسي مثلما يفعل الباحث «ايف فيلتار» في هذا الكتاب وبين من ينظر إليها من موقع الاهتمام بتطور المجتمعات الإنسانية، مثل الباحثة «ايرين بيلييه». وتختلف المقاربتان بشكل واحد على من يدرس التنمية من بوابة الاقتصاد بالدرجة الأولى كما نجد في مساهمتي الباحثين «فانسان جيرونيمي» و«جان جاك غاباس». ويتفرّد الباحث ميشيل فيرنيير بالبحث في سياسات التنمية من زاوية «تناقضات» اقتصاد التنمية ذاته.

وبالإجمال يكتسي تعبير «التنمية» عدة أبعاد في تحليلات هذا الكتاب، ورغم أن العديد، إن لم يكن الجميع، يستخدمونه بلا حساب وبمناسبة وبدون مناسبة، فإنه مع ذلك ليس من بين المسلّمات فيما يتعلق بمضمونه ويثير الكثير من الجدل بسبب كونه على «تقاطع الطرق» بين المقولات الأكاديمية ومعارف الخبراء ومتطلبات المجتمع المدني وتوجهات أصحاب القرار السياسي.

ثم أن مجموعة القوى والهيئات المعنية بالتنمية من دول وهيئات دولية ؟ صندوق النقد الدولي والبنك الدولي- ومنظمات غير حكومية وشركات وطنية تجد كلها «مشروعيتها» في التأكيد على أنها تسعى كلها إلى خدمة الصالح العام. لكن مشروعية أهل «المعارف» تكمن تحديدا في التحليل وفي تبنّي موقف نقدي بأغلب الأحيان.

بالمقابل هناك آراء عديدة ترى أن «مفهوم التنمية» هو «دخيل» أحيانا على العلوم الاجتماعية. بكل الحالات، لا شك أن الاقتصاد يلقي إجمالا الضوء على المسار المعقّد والمتعدد الأبعاد للتنمية.

أما التوصيف الذي يتم تقديمه للحقبة الراهنة من تاريخ العالم، في ظل العولمة، فيتلخص بالقول إن هناك تسارعا حقيقيا للتنمية في جزء من العالم بينما هناك مراوحة في المكان، إن لم يكن تسارع في «نقص التنمية» بمناطق أخرى لا تزال تعاني من «كماشة الفقر» التي تطبق عليها أكثر فأكثر. ثم إن السياق الجديد يضع المبادئ التي تأسست عليها علاقة الشمال بالجنوب موضع التساؤل.

ذلك أن الازدهار الكبير الذي تعرفه البلدان الصانعة، الصين في مقدمتها، تغيّر من المعطيات التي قامت عليها «الرأسمالية التاريخية».

المساهمون في سطور

المساهمون في هذا الكتاب هم مجموعة من الباحثين المختصّين بمسائل التنمية والاقتصاد. سبق لأغلبيتهم أن ساهموا في أعمال مشتركة سابقة من بينها: «التنمية: 12 موضوع للنقاش» الذي أشرف عليه كل من فانسان جيرونيمي وجان جاك غاباس، و«دراسة مقارنة لسبل التحليل الاقتصادي في إفريقيا». والمساهمون بينهم الاقتصادي والمحلل السياسي والباحث الانتروبولوجي.

الكتاب : معارف وسياسات التنمية

تأليف: فانسان جيرونيمي وآخرون

الناشر: كارتالا باريس 2008

الصفحات: 255 صفحة

القطع: المتوسط

Savoir et politiques du développement

Vincent Géronimi et

Kartala -Paris 2008

P.255