سبق لك القول ذات يوم إن الكتابة تعتمد على مصدر الضيق الودي. ما هو على وجه الدقة مصدر الضيق الودي؟

حسناً، ليست هذه العبارة لي، وإنما هي عبارة قالها فيليب روث، وأعتقد أنه طرحها في ظل ظروف مماثلة لظروفي، بمعنى أن لديه هويات ينسبها المجتمع إليه، ويجدها باعثه على الضيق للغاية. وأنا أعرب أن عناصر الضيق هذه تساعدني في التغلب على العناصر المعادية للكتابة، مثل الكسل بشكل عام والشعور بالإحراج وما إلى ذلك.

هكذا فإنك تعتقدين أن كتابتك كان يمكن أن تكون مختلفة لو أنك لم تكوني ابنة لأبوين مهاجرين؟

بالتأكيد، بل إنني لست واثقة من إنني كان يمكن أن أكون كاتبة.

لماذا؟

لست أدري. فمن العديد من الجوانب أعتبر نفسي شخصية اجتماعية للغاية، وربما اجتماعية على نحو يحول دون أن أكون كاتبة. وأعتقد انني من ناحية إنسانة تجد شعوراً

ما هي المادة التي تتحدثين عنها؟

لقد جئت من عالم يتصرف فيه الناس في كل جملة ينطقونها وكل شيء يقومون به مدركين أن هناك فكرة قوامها أن هناك عقبات في كل مكان وأنه ليس بمقدور المرء أن يخرج ويحصل على ما يريده وان على المرء أن يكون بارعاً وذكياً لأن العالم يعارضه، ثم أمضى إلى عالم التيار الرئيسي، حيث يفترض أن المرء بمقدوره الحصول على ما يريده. ألم يكن ذلك هو ما يعنيه العالم؟ أن يقدم لنا ما نحتاجه؟

هل تشعرين بأنك بين عالمين؟

على الإطلاق، وبالطبع فقد نشأت في وقت سابق على صياغة عبارة «بين عالمين». وبالتالي لم يكن لديَّ ذلك الشعور.

لقد ولدت في أميركا ابنة لأبوين مهاجرين؟

نعم.

من أين هما؟

أبواي من الصين. أمي من مدينة شنغهاي، وأبي من خارج المدينة.

كيف كان رد فعل أبويك على كتابك الأول «أميركي تماماً» وما توج به من نجاح؟

كان ذلك شيئاً عظيماً بالفعل، فقد تحدثت عني كبرى المجلات الأميركية.

قال أحد كتاب عروض الكتب عن أعمالك: «إذا كانت تجربة الأميركي المهاجر غالباً ما تفسر على أنها اندماج واستيعاب تدريجي شأن حركة المرور على طريق سريع، فإن صياغة جيش جين تشبه تقاطعاً مزدحماً، يطلق فيه الجميع العنان لأبواق سياراتهم». فهل هذا وصف دقيق؟

ربما، ربما. لقد كنت على الدوام مهتمة، فيك كتبي، ليس بوضع يدي على التجربة الأميركية ـ الصينية، وإنما التجربة الأميركية بأسرها.

من نحن في اعتقادك الآن؟ أين تظنين موقعنا في غمار عملية التحول إلى أميركيين؟

حسناً، في بعض الأحيان أعتقد أن الأمر يمضي بطريقة جيدة، وفي أحيان أخرى أعتقد أنه لا يمضي بطريقة جيدة. ومن الواضح أنه منذ الحادي عشر من سبتمبر فإن الأمور لا تمضي بصورة جيدة للغاية.

ما الذي ستفعلينه في الصين في رحلتك المنتظرة قريباً إليها؟

لسوف أذهب إلى الصين في إطار منحة من برنامج فولبرايت لمدة ستة أشهر، سأقوم خلالها بالتدريس هناك وسأصحب طفلي معي. وسيزورنا زوجي هناك، على الرغم من أنه لن يكون بمقدور البقاء طوال هذا الوقت. ولكنني سأذهب لأسباب عديدة. وبالطبع فإن جانباً من هذه الأساس يعود إلى رغبتي في اصطحاب طفلي إلى هناك، ويعود جانب آخر إلى إنني أريد الذهاب إلى هناك بينما والداي يستطيعان السفر، فأبي الآن في الرابعة والثمانين من العمر، ولن يكون أمامه مجال للكثير من الرحلات إلى هناك. ومن جانب آخر فإنني أعتقد إنني في مرحلة عمرية يتعين فيها أن أعرف كل قصص العائلة، وأنني لا يمكنني الاعتماد على أبويّ في الاحتفاظ بهذه القصص

إذن فهي رحلة عودة إلى الجذور.

نعم إنها كذلك، أخيراً، من الذي يمكن أن يصدق ذلك؟

مع ذلك، فإن كل تجربتك كانت في أميركا باعتبارك أميركية؟

لقد زرت الصين مرتين من قبل، أعني انني ذهبت هناك للتدريس في عام 1991، وكنت على الدوام مهتمة بها، ولكنني كنت أكثر اهتماماً بنوعية الرحلة من العالم القديم إلى العالم الجديد من اهتمامي بالعالم القديم باعتباره كذلك. لقد كنت على الدوام مهتمة بالصيرورة، بالتحول.

حسناً، هذه الرحلة مختلفة، مختلفة تماماً. قالت هيلين ضياء في مقابلة أجريت معها: «إن القضية بالنسبة لنا لم تعد أن يصبح المرء أميركياً، فقد أظهرنا أننا أميركيون من كل الجوانب، فنحن مثل الهوت دوجز، مثل كرة البيسبول، مثل السيارات السريعة. والقضية بالنسبة لنا لا تزال متمثلة في قبولنا كأميركيين».

هل توافقين على هذا الطرح؟

أعتقد أنه كانت هناك أوقات كانت تلك لا تزال قضية. وأنا أعتقد أمرين، الأول أن ما أصبحت أدركه هو أن مسألة التقبل كأميركي لا تؤثر على الأميركيين الآسيويين وحدهم، وإنما هي تؤثر على الكثير من الناس. والمرء يتساءل من الذي يشعر بأنه أميركي بلا تردد وبأمانة. يبدو أن الكثير من الناس عرضة لهذا الشعور بالاغتراب. هذا هو الأمر الأول. أما الأمر الثاني فهو أنه في غمار تجربتي، إذا ادعيت بأنك أميركي فإنه ما من أحد سينازع في هذا الادعاء. ما من أحد سيعطيه لك، ولكنك إذا كنت ستقول «حسناً، هذا لي»، فإن أحداً لن يوقفك، وقد كان هذا دعماً كبيراً لي».

منى مدكور

الروائية في سطور

ولدت الروائية الأميركية جيش جين لأبوين مهاجرين إلى الولايات المتحدة من الصين، درست في جامعة هارفرد، حيث حصلت على الماجستير في الكتابة الإبداعية، ولفتت الأنظار إليها بشدة لدى صدور روايتها الأولى «أميركي تماماً».

حيث اختارتها صحيفة «نيويورك تايمز» الرواية الأكثر بروزاً في عام صدورها، ودخلت القائمة القصيرة المرشحة للفوز بجائزة الكتاب الوطني الأميركية، ورفعتها إلى بؤرة الضوء لتنضم إلى كاتبات أميركيات بارزات من أصل آسيوي، مثل إيمي تان وتشانج ري لا، وأصدرت عدة روايات أخرى، أبرزها «رجل أيرلندي» وأحدثها «زوجة عاشقة».

وتوقف النقاد طويلاً عند روايتها «مونا في أرض الميعاد» التي تتناول نشأة فتاة مراهقة من عائلة تشانج، صينية الأصل في الولايات المتحدة، وتعكف المؤلفة في الوقت الحالي على انجاز جزء ثان لهذه الرواية.