يتناول كتاب «دارفور من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى» لمؤلفه عبده مختار موسى قضية راهنة وحساسة هي قضية إقليم دارفور السوداني، لذلك يكتسي أهمية كبيرة، خاصة بعد صدور مذكرة محكمة الجنايات الدولية، القاضية بتوقيف الرئيس السوداني عمر البشير في الرابع من شهر مارس 2009 على خلفية اتهامه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية ضد المدنيين في دارفور.
وبصرف النظر عن تفاعلات وتداعيات صدور المذكرة، فإن النزاع في دارفور هو نزاع معقد، ويتطلب فهمه معرفة خلفياته وخلفيات التطورات الجارية في الإقليم وعلاقة تطور المشكلة بالديناميات القومية والإقليمية والدولية. ويحاول المؤلف تقديم صورة كاملة وواضحة عن مشكلة الإقليم من خلال اتباعه منهجاً تاريخياً وصفياً، يهدف إلى الكشف عن السياق المحلي، المجسد في أزمة الدولة، والإطار الإقليمي، الممثل في التداخل الأنثربولوجي والجيوسياسي، والبعد الدولي، الذي يمثله صراع القوى العظمى، وتوصيف الأسباب والعوامل التي أدت لتفاقمها مع محاولة استشراف المستقبل من خلال اقتراح تغيير منهج التعاطي مع أزمات الدولة السودانية.
وفي سياق محاولته لوضع أزمة دارفور في سياقها الشامل، يرى عبده مختار موسى أن هذه الأزمة وليدة لأزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان، بل تشكل نموذجاً لأزمة الدولة والهوية في العالم الثالث، الأمر الذي يستدعي النظر في الإطار الاجتماعي للسياسة وفي سوسيولوجيا الدولة لتجنب الوقوع في تصورات اختزالية لواقع هذه المجتمعات. وعليه فإن النظرة الشمولية للواقع المجتمعي المتعدد هي الكفيلة بتشريح بنياته ومجالاته وأبعاده دون الاعتماد الكلي على جانب واحد.
ويسكن المؤلف سعي يتجسد في وضع المشكل السوداني الأساسي في أبعاده الكاملة، كي يتصدى لجوهر الأزمة ويبحث في أسبابها الحقيقية، ذلك يركز على ضرورة فهم طبيعة المجتمع السوداني وتركيبته، وهيكل القوى الفاعلة وعلاقتها بالتركيبة الاجتماعية، ودور النخبة السياسية، وكيف أسهمت في تعقيد المشكلات الموروثة والمتراكمة. فتولدت أزمات لولبية، كشفت هشاشة الدولة في السودان وبدأت تهدد استقرارها وتماسكها بل وجودها.
ويرى المؤلف أن الحديث عن التهميش كأحد مفاعلات الأزمة وديناميكياتها لا يعني انحيازاً لدارفور وإنما اعترافاً بقضية تطورت إلى أزمة بسبب القصور المنهجي في تعامل النخبة السياسية مع أزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان.
هذا القصور المنهجي هو الذي يطوّر المشكلات إلى أزمات مستعصية تهدد كيان الدولة كلها. فمثلاً حل مشكلة الجنوب، بعد حرب طويلة، باتفاقية سلام أعطت الجنوب ما يريد لكنها أرست تقليداً جديداً للمناطق المشابهة، في التخلف والتظلم، بأن الطريق الوحيد للحصول على نصيب في معادلة الثروة والسلطة هو حمل السلاح في وجه السلطة المركزية.
لذلك كانت هناك مشكلة جبال النوبة، ثم مشكلة الشرق، ثم مشكلة دارفور. كما ظهرت حركات في إقليم كردفان المجاور لدارفور تمثلت في «شهامة» و«شمم» و«تجمع كردفان للتنمية: كاد». وهكذا كل ما توقّع الحكومة اتفاق سلام تندلع الحرب في مكان آخر من السودان؛ ذلك لأن الحكومة لم تنظر لأزمة الدولة السودانية في كلياتها.
ويقرأ المؤلف هذه العوامل في سياق المتغيرات الدولية الحاصلة، مثل هيمنة الولايات المتحدة الأميركية، وامتداد نفوذها من خلال النظام الدولي الجديد ومقتضيات العولمة، وتقاطع ذلك مع إحياء النفوذ الفرنسي القديم، مقروناً بصعود الصين وانتشارها اقتصادياً في إفريقيا، مقروءاً مع ظهور موارد استراتيجية مهمة في السودان، كالنفط واليورانيوم، أدى إلى اهتمام دولي بالمنطقة، وهو اهتمام لا يخلو من صراع بسبب تقاطع مصالح هذه القوى. لذلك يهدف هذا الكتاب لكشف كل الأبعاد والعوامل المتفاعلة في أزمة دارفور.
والواقع هو أن السودان، بعد أكثر من نصف قرن من الاستقلال، ما زال يعاني من أزمة التكامل القومي، وما زال يبحث عن خيوط الوحدة وعناصر نسيجها وميكانيزمات توازنها والديناميكية اللازمة لاستمرارها.
وقد ظهرت أزمة الدولة وأزمة المجتمع في السودان في سياق جدليات متعددة مثل: عربي وزنجي، وشمالي وجنوبي، ومسلم ومسيحي، والمركز والأطراف، أو المركز والهامش.
عمر كوش
المؤلف في سطور
الدكتور عبده مختار موسى، أكاديمي وكاتب سوداني، يعمل أستاذاً في العلوم السياسية في جامعة أم درمان الإسلامية، وشغل وظيفة رئيس قسم العلوم السياسية بالجامعة الإسلامية في السودان (2005 ـ 2008)، وعمل باحثاً في مركز السودان للبحوث والدراسات الاستراتيجية خلال سنوات (2006 ـ 2008).
كما عمل صحافياً في مجلة «سوداناو»، التي تصدر باللغة الإنجليزية، ورئيس تحريرها، وكذلك عمل مراسلاً لوكالة «إنتر بريس سيرفيس. وصدر له أربعة كتب وعدد من البحوث باللغتين الإنجليزية والعربية».
الكتاب: دارفور من أزمة دولة إلى صراع القوى العظمى
تأليف: د. عبده مختارموسى
الناشر: الدار العربية للعلوم ناشرون ومركز الجزيرة للدراسات بيروت الدوحة 2009
الصفحات: 391 صفحة
القطع: الكبير

