يعد كتاب «تواطؤ الأضداد ـ الآلهة الجدد وخراب العالم»، لمؤلفه علي حرب، مناقشة فلسفية موسعة لمختلف مشاكل العالم المعاصر، سواء كانت هذه المشاكل ثقافية أم سياسية أم أخلاقية، متخذاً من القلق على مستقبل الإنسان، والبشرية عموماً، هاجسه الأساسي. أما المنهج الذي يناقش من خلاله أزمات العالم المعاصر من: فتن طائفية، وأعمال عنف، وصراعات سياسية، فهو منهج «النقد» كما تبدى في الفلسفات النقدية المعاصرة، ولا سيما مدرسة فرانكفورت، وهابرماس على وجه الخصوص.

فالكتاب كما بين على حرب هو ثمرة مواكبته للمستجدات الفكرية والطفرات المعرفية، بقدر ما هو حصيلة قراءاته الفكرية سواء كانت غريبة حديثه أو عربية قديمة. ولذلك فإن الكتاب لا يكتفي بالشرح والتحليل، بل ينتقل إلى البناء والتركيب والفعل المؤثر والتأسيس لرؤية خاصة بالمؤلف، تحاول أن توازن بين مختلف الاتجاهات والهموم، فهو يهتم بالفرد دون أن ينسى المجتمع، ويهتم بالعالمي دون أن يتخلى عن المحلي، وبالفكري والنظري دون أن يبتعد عن الواقع المعقد المباشر. ولذلك نجد أن على حرب ينتبه إلى أن التقدم العلمي والتكنولوجي الذي اجتاح العالم خلال القرن العشرين، لم يؤد إلى عالم عادل ومسالم، عالم أكثر حرية وإنسانية، بل العكس هو الذي حدث. فالانجازات التكنولوجية بالرغم من أنها ساعدت الإنسان في السيطرة على الطبيعة وتحقيق الرفاهية والوفرة الاقتصادية، إلا أنها وبنفس الوقت قدمت للبشرية الحروب الهائلة والقنابل النووية، والإعلام المنحاز، بحيث تحول الإنسان إلى مجرد تابع لآليات التكنولوجيا ومصالح الشركات الكبرى.

بعد التأسيس لفكر نقدي واع يبدأ المؤلف بجولة واسعة لتحليل المشكلات الاجتماعية والسياسية والثقافية التي يعاني منها العالم العربي والشرق الأوسط عموماً، مركزاً على نقد مشروع الحداثة العربي. فالمثقفون العرب باختلاف مشاربهم: قوميين، اشتراكيين، إسلاميين، ليبراليين.. كانوا من حيث الشكل مفكرين تقدميين عقلانيين تحرريين، أما في المضمون فكانوا لاهوتيين تقليديين عابدين لمذهب معين. بحيث تحولت كل جماعة ثقافية إلى الاصطفاف وراء زعيم معين: لينين، غيفارا، كاسترو، عبد الناصر، صدام حسين.. بحيث ضاعت الفواصل بين الأصولي والحداثي، بين الطائفي والمقاوم للغرب، بين الاشتراكي والعشائري.

في النهاية فإن علي حرب لا يبرئ أحدا، لأن مآزقنا والخراب الذي حل بنا هو من صنع أيدينا أولاً، أما الغرب ومصالحه الاستعمارية فإن مسؤوليتها تأتي بالدرجة الثانية. فكل أمة هي المسؤولة عن تفاهم أفرادها وحماية مصالحها وتسامح فئاتها، وإذا حصل العكس فإنه يجب تحميل كل الناس مسؤولية ما يحصل لأن الجميع مشاركين في خراب الأمة وسط كل هذا الخراب والدمار والعنف المتزايد، يحاول حرب بناء مشروع ينقذ الأمة من بحر الفتن الطائفية والحروب الأهلية والصراعات السياسية والتشبيح الأيديولوجي.

فلا يجد سوى العقل التواصلي، والحوار الايجابي، والحس النقدي، والمسؤولية الأخلاقية، كمفاهيم يعول عليها لتحقيق فهم عقلاني ومنطقي للمجتمع العربي، بحيث تسود لغة الحوار والتسامح والنقد البناء بدل روح التعصب والتكفير والإقصاء.

رشيد الحاج صالح

المؤلف في سطور

علي حرب مفكر وكاتب لبناني أبرز مؤلفاته: نقد الحقيقة (1993)، نقد النص (1993)، الفكر والحدث (1997)،الأختام الأصولية والشعائر التقدمية (2001). ينتمي علي حرب إلى تقليد ثقافي عريق ومدرسة فلسفية فاعلة هدفها الأساسي هو نقد التناقضات والصعوبات الاجتماعية والاقتصادية والإنسانية التي أخذ يعاني منها الإنسان في المجتمعات الصناعية المعاصرة.

ولذلك نجده يطرح مشكلات العالم المعاصر من خلال مقولات تلك المدرسة: الاغتراب، التشيء، العنف المتفاقم، سيطرة التقنية على حرية الإنسان، الحضارة القمعية.

بل أنه يجاري ذلك التوجه الفكري في تجاوز نقد آليات السيطرة والقهر في المجتمع الصناعي إلى نقد البنية العقلية والمشاريع الفكرية القابعة خلف خراب العالم المعاصر.

الكتاب : تواطؤ الأضداد الآلهة الجدد وخراب العالم

تأليف : علي حرب

الناشر : منشورات الاختلاف الدار العربية للعلوم ناشرون بيروت 2008

الصفحات: 271 صفحة

القطع: الكبير