للوهلة الأولى يعتقد المطلع على كتاب «من زاوية القاهرة» أنه سوف يطالع موضوعاً في الآثار أو حتى في دراسة المدن، وما شابه. إلا أنه عندما يقرأ اسم مؤلفه محمد شفيق غربال، قد يظن أنه سوف يقرأ في التاريخ البحت أو الكلاسيكي، الذي درج عليه كتاب السير والتواريخ والمغازي والخطط والآثار والتراجم.

عرف عن الكاتب قلة الكتب التي قدمها إلى المكتبة العربية، فبعد حصوله على درجة الماجستير من لندن عام 1924م (تتلمذ على يد المؤرخ أرنولد توينبى) الا أنه حرص أكثر على بناء جيل من المؤرخين، هم الذين نعرفهم في الساحة الآن (بعد وفاته عام1961م). وهذا الكتاب مجموعة من الأحاديث الإذاعية الأخيرة التي قدمها بالإذاعة قبل وفاته بفترة قصيرة (جمعها وقدم للكتاب د.أحمد زكريا الشلق). أطل محمد شفيق غربال على رواد الفكر الإنساني والعربي من رؤية فكرية واضحة بالإضافة إلى الرؤية الشمولية في الأدب والفن والحرية.. وأيضا الرد على بعض الدراسات التي تسعى للنيل من العرب وتاريخهم، بينما أوجز الكثير من المنجزات العلمية وغير العلمية التي قدمتها الحضارة العربية للإنسانية. وهو ما جعل معد الكتاب يقسمه إلى قسمين.

بعد أن اقترب من تحديد وتعريف «العربي» و«الإسلامي»، سجل المؤلف للعرب مقاومتهم من القرن السادس عشر، لكل ما تعرض له الوطن العربي من أخطار.. السيادة العثمانية، والاحتلال الأوروبي، بل ومخاطر الأمراض ومخاطر الطبيعة أحيانا. وتأكيدا لروحه المتفائلة بقوة الذاتية للعرب، تناول «الشعوبية» في تاريخ العرب، وهو ما أطلق عليها الشعوبية القديمة.. ثم أشار إلى الشعوبية التي وقع فيه البعض من المعاصرين.. ويرى أنه كما سقطت الشعوبية القديمة، سوف تسقط الشعوبية الجديدة. ولعله بذلك يوضح رؤيته البانورامية لمصير العرب جميعا، وإيمانه بقوتهم الذاتية.

ويتحدث عن «رجال غيروا وجه التاريخ»، وعن وقفات مع شخصيات وأحداث غيرت وجه التاريخ، منهم العرب وغير العرب: «سقراط: حياته ومماته»، «الرواقيون وسيادة العقل»، «الحسن البصري»، «أبوالعلاء المعرى ومعرفة الإنسان بالإنسان»، «الغزالي وميزان العمل»، «ابن تيميه»، «تولستوي بين الواقع والواجب»، «جمال الدين الأفغاني والعروة الوثقى»، «معركة عين جالوت، غيرت وجه العالم».

تتضح رؤية التكامل عند غربال بين المفكرين في العصور القديمة والوسطى والحديثة، من أجل قيم إنسانية متكاملة. ونتوقف قليلا مع «أبوالعلاء المعرى»، ذاك الشاعر العربي الذي يرى نفسه في ثلاثة سجون لفقده لبصره، وللزومه البيت، ولكون الروح في الجسم الخبيث، حسب تعبيره.

ويدافع الكاتب عن الشاعر ومكانته، ذاك الذي لم يمنعه فقدان البصر من أن يصبح علما من أعلام العرب. وان انتقد نقاد تلك الفترة، ممن أوجزوا جهدهم فيما سرق أبوالعلاء، وفيمن سرقوا منه! وهو يرى أن هذا الجهد دفع البعض بالعزوف عن الشعر والشعراء. إلا أن جهد «طه حسين» و«العقاد» و«سهير القلماوي» أعاد للشاعر مكانته وأهميته. وأن سجونه الثلاثة، هي نفسها سبيله إلى الحرية والمعرفة.

وان طلب الشاعر عدم زيارته، وفضل العزلة، مثلما حرم على نفسه أكل اللحوم، مكتفيا بالعدس والتين والزيت مع خشونة الملبس والفراش، على أن الناس لم تتركه، وتقدم الطلاب، من أقصى البلاد الإسلامية، يطلبون علمه ويسألون من شعره وأدبه.

وقد قال الكاتب عن الشاعر، أن «أبو العلاء» صاحب رسالة هي.. السعي الدائب لفهم حقائق الأشياء، الاستناد إلى قوة المعنويات في عصر سادته، القوة الغشوم، الطهارة، النقاء والبراءة من الإثم، الحرص على التقرب إلى الله، رد الأموال إلى وسطائها..

ويحرص «غربال» في ختام كلمته عن «أبوالعلاء المعري»، بالثناء عليه وأنه قال ما قاله نقدا لاذعا ليس إلا محبه لأهله وعروبته، وقال:

خلق الناس للبقاء فضلت أمه يحسبونهم للنفاد

يعبر هذا الكتاب عن أحد أعلام الفكر العربي في القرن الماضي، ورؤيته الشمولية المنتمية إلى عروبته العربية وانتمائه إلى قيمه العليا.

السيد نجم

المؤلف في سطور

محمد شفيق غربال مؤرخ مصري نال دراساته العليا بعد الليسانس من فرنسا، وعمل بالتدريس في جامعة القاهرة، كما عمل في الوظائف الإدارية العليا ببعض الوزارات في حينه.

حصل على الماجستير في رسالة بموضوع «المسألة المصرية وصعود محمد على» وتتناول مشكلة الاحتلال الانجليزي، لم تترجم حتى اليوم. وان نشر كتابا هاما بعنوان «محمد علي الكبير» يتناول بعضا من رسالته.وقد كان عضوا مؤسسا في المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، والمجلس الأعلى للآثار، وانتخب عضوا في المجلس التنفيذي لليونسكو(1946م-1950).

ومحمد شفيق غربال يعد من أبرز رواد المدرسة العلمية الحديثة لكتابة التاريخ، فقد كان من أهم المؤرخين المعاصرين في العالم العربي، معتمدا على منهج توسيع قاعدة المعرفة التاريخية بالأدب والفلسفة وعلم النفس والاجتماع.. خرج الكتاب ثقافيا وتاريخيا وأخيرا فكريا بمعنى ما.

الكتاب: من زاوية القاهرة

تأليف: محمد شفيق غربال

الناشر: هيئة قصور الثقافي القاهرة 2009

الصفحات: 86 صفحة

القطع : المتوسط