يمثل هذا الكتاب سيرة ذاتية غير مكتملة ليوسف صايغ يعرض من خلالها لحوالي ستين عاما من العمل الدؤوب إما في إقامة المؤسسات وتحقيق المشاريع الوطنية والقومية، الثقافية أو الاقتصادية والتنموية والاجتماعية أو في وضع الخطط والمخططات والبرامج ورسم الإستراتيجيات للوصول بالأمة إلى غد أفضل.. فقد كان يوسف يأمل دوما في تحقيق مدينة الفارابي الفاضلة على الأرض العربية، على نحو يجعل من حياته بحق تطبيقا لمجموعة من المساعي النظرية والتطبيقية في هذا المجال أو ذاك دون الوقوف أمام المعوقات الدخيلة والشكوك والإحباط ودون مراعاة تقاعس الآخرين أو مضايقاتهم.
وتنبع أهمية هذه المذكرات من كونها تمثل نافذة على مرحلة من التوسع الصهيوني وتصاعد التدخل الخارجي والتغير الاجتماعي الثقافي في منطقة الهلال الخصيب بأسره. ورغم سعيه لتفادي تقديم مذكراته باعتبار أن في ذلك جرأة وتجاوزا للحدود إلا أنه خضع أخيرا لإلحاح روز ماري صايغ وقام بتسجيلها خلال فترة مرضه في أبريل من 1989 حيث اضطر أسابيع في البيت طريح الفراش. وإن كانت روز تشير إلى أن نحو ثلثي المذكرات تدور حول سنوات تكوينه الأولى بدلا من السنوات التي أصبح فيها منتجا وهو ما جعلها تعتبر سيرة حياة غير مكتملة، حيث لا تغطي ما يريد الكثير من القراء معرفته عن يوسف صايغ الاقتصادي والمعلم والقومي العربي والكاتب والمتحدث في المؤتمرات.
تعود أولى ذكريات الصايغ إلى قرية خربة التي انتقل إليها والداه بعد ولادته سنة 1916 في قرية البصة قرب عكا في فلسطين. وقد تم ترسيم أبيه قسيسا سنة 1923. من المفارقات التي يذكرها أنه لدى عودتهم من القدس بعد انتهاء مدة دراسة أبيه اللاهوت حدث أن وصلوا إلى جنوب لبنان وقت إجراء عملية إحصاء للسكان فقال الناس الذين كانوا يقيمون عندهم في صيدا «ليش ما نسجلكم لبنانيين مثلنا مش سوريين؟» فضحك أبوه إذ يبدو أنهم كانوا قد سجلوا أسماءهم بالفعل.
من بين الشخصيات التي ألقت تأثيرها على يوسف حسب مذكراته زوج عمته الذي كان يقرأ كثيرا ويبدو أنه كان ذا تأثير واسع كطبيب للقرية. كما لم يكن في قريتهم أي مصرف ـ بنك ـ بالتأكيد ولم يسمع بكلمة بنك إلا بعد زمن طويل جدا.
من بين المراحل التي يتناولها يوسف في مذكراته تلك التي التحق خلالها بالجامعة الأميركية وهنا فإن من الإيجابيات التي أثارت ارتياحه أن والده لم يسأله عما كان يخطط لدراسته إلا في اليوم الذي كان سيغادر فيه حيث منحه استقلالية الاختيار فكان أن أعرب عن رغبته في دراسة الهندسة المعمارية. ما كان أكثر أهمية من صفوف الدراسة هو مجرد وجوده في الجامعة الأميركية في بيروت حيث كان الحراك الفكري قويا جدا خاصة في الجانب السياسي منه. وهناك في الجامعة والتي مثلت مرحلة تكوينه الأساسية يقول يوسف انه بذل جهدا كبيرا جدا جدا جدا حيث لم تكن لديه أية حياة اجتماعية. وكان يشارك في مختلف النشاطات الثقافية داخل حرم الجامعة وخارجها. ثم يتناول بعد ذلك فترة العمل الحزبي من 1938 وحتى السنة التالية والتي بدأ عمله خلالها مدرسا في العراق بمدرسة خاصة.
في ذلك الوقت كان العراق مصابا بحمى السياسة القومية وحركة التجديد وهى المرحلة التي سبقت انتفاضة رشيد عالي الكيلاني مباشرة. وخلال تلك المرحلة تكون وعيه بوجود فوارق بين السنة والشيعة. وكان يشرب العرق ويلعب القمار ـ العرق العراقي والجعة البيرة. مما يذكره في ذلك السياق أن السياسة العراقية كانت مختلفة عما اعتاد عليه في بيروت حيث تجد خليطا من القومية اللبنانية والسورية والقومية العربية، بينما في العراق لم يكن هناك من يجرؤ على الحديث عن القومية الكردية آنذاك أو أية قومية غير القومية العربية.
عن أيام الشباب في طبريا (1940 ـ 1944) يشير إلى أن الأحداث السياسية هناك كانت قليلة جدا ومنها على ما يذكر أن محاميا من عائلة الطبري وصدقي الطبري نفسه كانا ناشطين للغاية في وقف بيع الأراضي العربية لليهود فلم يحدث بيع على نطاق ملموس في طبريا وإنما في بعض مناطق القرى المحيطة بها.
من المحطات الهامة في مذكرات يوسف صايغ أنه تم أخذه أسير حرب بعد أربعة أو خمسة أيام من إنشاء دولة إسرائيل وذلك خلال قيادته مجموعة من المقاتلين في مدينة القدس مايو 1948 حتى نفدت الذخيرة ووقع أسيرا حيث لم يفرج عنه إلا بعد سنة تقريبا.
ومن خلال الرحلة في الكتاب يتبدى لنا الجهد الذي بذله الصايغ على صعيد العمل الوطني الفلسطيني فقد لمس يوسف أواسط الأربعينات ما عاناه النضال المحلي الفلسطيني من ضعف في الإعلام وشح في المال، فزود المكاتب والوفود السياسية الفلسطينية بالدراسات العلمية من جهة وأنشأ بيت المال العربي أول صندوق لدعم النضال يعتمد الأسلوب الحديث والشفافية في تمويل الثورة. وحسب أنيس صايغ في حديثه عن المذكرات في تقديمه لها فإن صايغ كان أيوب النضال الفلسطيني المؤمن بقضيته والمتفائل بشعبه باستمرار.
ألفت عبد الله
المؤلف في سطور
من رموز العمل الفلسطيني كان عضوا في مجالس إدارة مركز دراسات الوحدة العربية، ومنتدى الفكر العربي ومؤسسة التعاون. حصل على التقدير في المنطقة العربية وعلى الصعيد الدولي إلى حد كبير كاقتصادي لم يفصل الاقتصاد عن السياسة إطلاقا وقد تقاعد مبكرا من العمل في الجامعة الأميركية ببيروت سنة 1973.
ومن أشهر مؤلفاته «الخبز مع الكرامة» والذي حصل على جائزة جماعة أصدقاء الكتاب عام 1961 وكتاب «اقتصاديات العالم العربي»، و»محددات النمو الاقتصادي العربي» و»التنمية الخادعة من التبعية إلى الاعتماد الذاتي في المنطقة العربية». توفي في مايو 2004.
الكتاب: سيرة غير مكتملة
تأليف: يوسف صايغ
الناشر: رياض الريس للكتب والنشر بيروت 2009
الصفحات: 420 صفحة
القطع : الكبير

