مطلع هذا العام مرت الذكرى التاسعة عشرة لرحيل أحد أعتى النرجسيين في تاريخ علاقة الإنسان بالفن كمساحة للهواجس، الرسام العالمي سلفادور دالي صاحب غرائبية الأفعال، ومرسي دعائم السوريالية والمتمرد عليها في آن.

ابن حقول كاتالونيا القادم من إسبانيا كان الأكثر جدلا بين أبناء جيله من فناني أوروبا، حتى بعد قرابة العقدين على رحيله بقي الجدل قائما بشأن ماهية الحديقة الخلفية التي كان يصنع فيها دالي أفكار لوحاته، ويعلم ريشته طقوس الجنون الواعي بمصير الانسان المحتوم، أي الغياب.. والغياب دائما.. دالي هو رسام السوريالية بامتياز، ولعل القول الأدق هو أن الدالية هي الجزء الأبرز في السوريالية، هي ذلك الجزء الخاص بالهلوسة الفنية وهستيريا الألوان، تتداخل فيها مساحتا العبقرية والجنون بشكل ارتجالي مقصود في أغلب صوره. سيغموند فرويد وجماعة سوريالي باريس منحا دالي جرأة المراهنة على صناعة أناه الفريدة، مع الأول وجد دالي كل ما كان يبحث عنه من جنون اللاوعي، ومع الثانية عاش النهضة الأوروبية بكل أدواتها الفنية. خلال أقل من ثماني سنوات (1929 ـ 1937) رسم دالي تلك اللوحات التي حملته إلى أعلى نقطة في عرش الشهرة، تحديدا في العام 1931 وصلت سورياليته قمة جنونها من خلال لوحة «إصرار الذاكرة»، ساعات ذائبة خارج هيئة الوقت، هادئة بشكل مهيب، لكن الأمر لم يدم على هذه الحال.

في لحظة لا تزال غامضة ناهض دالي كل منتجات الثورات التقدمية الاشتراكية في عصره، جاهر علانية بتأييده النازية الهتلرية والفاشية الموسيلينية، على إثر مواقفه هذه طرد من حركة السورياليين الباريسية، لكن حتى بعد طرده من الرحم السوريالي الفتي ظل دالي وفيا لجنونه اللانهائي، ففي ظل تفاقم الاجتهادات لتعريف السوريالي الإنسان وقف دالي عاريا كالسهم في معركة المصطلحات ليعلن صراحة ما غدا بعده مثالا لأقسى تعابير النرجسية: أنا السوريالية..!

الفرويدية كطريق نحو النقد المذعور:

كتابات فرويد عن المنطقة الخفية للإنسان وشروحاته الهائلة عن الأحلام حرضت اللاشعور عند دالي الذي تأثر بها حتى الاندماج. خلال هذه المرحلة بدأ صاحب الطلة الغريبة بإقناع المساحة الواعية من لا شعوره باللاواقع، أو لنقل تشاؤمية الخيال. ببطء راح دالي يشحن هذه المساحة بالهلوسة المنظمة، أو ما بات يعرف بعده بالهستيريا الواعية، في هذه الطريق غير واضحة المعالم وضع دالي حجر الأساس لعالمه الخاص المخيف، كل شيء ناقص، مشوهه بطريقة فظيعة، وربما غير منطقية، كل شيء يدور في إطار من الفوضى الكئيبة.

منذ البداية منح دالي عالم الألوان هبة اللا توازن الرهيب الذي يسلب الحركة معنى الجهات، فلدالية قوانينها الحركية الخاصة الملتبسة:

سادية الفكرة هي ما يقود الريشة إلى تشويه متعمد.

المركزية هي اللا مكان المهجور بذاته.

الزمان متوقف دائما لصالح ما يريده دالي نفسه.

التفاصيل هي من تعطي اللوحة معناها الأساس وليس الكل.

وفق هذا المبدأ تبدأ اللوحة مع دالي بفتح بوابة الأرواح والأحلام والتخيلات بكل مفرداتها اللا مرئية، وفي لوحة كهذه يحاور شبح الأنا وسط كل هذا الخراب مستوياته الثلاث بلغة مرضية عنيفة كأنها قدره الملوث بالبياض، وهنا تصبح اللحظة إمرأة مشبعة بالغواية ومعقشة بجنون طليق لا يحرم الأفكار قسوة العربدة في أبهى صورها. هذه العبثية في تلقين الوعي ما نسيه أو تناساه من قاموس اللاوعي سماها دالي نفسه «النقد المذعور»، حيث لا مجال لسيادة البياض، كما كان يردد سلفادور.

بارانويا التفكير الانتقادي:

هاجم دالي بكل ما أوتي من قوة الألوان أفكار الحضارة الإنسانية بوجهها الغربي، هذه الحضارة بعين الداليين كبتت بدائية الإنسان باختراعها عالم الأخلاق والمثل، وقسمت الأفعال والأساطير والرموز، وحدت من وعي البشرية بذاتها. في معظم لوحاته تظهر الحضارة كمارد ممسوخ يتسول اعتراف الآخرين، ويظهر دالي قدرة فائقة على رسم الإنسان المضطر لخلق مساحة اللا وعي أو اللاشعور، يفعل فيها ما يشاء دون أدنى تقييد يذكر، لا شيء فيها سوى البربرية بكل صفاتها القبيحة.

هذه المساحة التي اعتبر دالي نفسه ناطقا رسميا باسمها هي ذات الغابة التي قصدها مرتديا رداء اللاعقلانية ومنتعلا حذاء الهوس الخفيف، بهذه الهيئة كان دالي يستعمر كهوف البدائية الأولى لإنسان القرن العشرين، يغرف من رهبانيتها، ويعود محملا بجبل من اللوحات مشتركها الوحيد أنها تروي سيرة الإنسان في إطار من الألم.

جميع النقاد الذين تمرسوا في نقد الدالية كنظرية للمعرفة يجمعون على خلق دالي مصادر جديدة للإلهام. هو أخضع قواعد الفن لقوانين التحليل النفسي معتمدا على أهم أسلحة منطق الأنا، أي الغائية بمعناها المطلق. والغائية بمعناها الدالي تعني تلك الساحرة العارفة بكل دروب الذاتية ومتاهات الروح، والمتمرسة باحتراف على التجوال بحرية في حقول الأنانية الواعية. يقول دالي «إن الغائية قادرة على تحرير اليد من سلطة العقل والتسلل إلى مستودعات محرماته لتسرق على عجل كل ما تطاله». وعلى إيقاع الصدفة بين الفكرة واللون والحركة اللاإرادية تلد الريشة لوحة اللاوعي.

دالي «الفنان الرجعي» وعقدة الفن التقدمي:

أواسط الثلاثينات من القرن الفائت التفت دالي وراءه فرى الكلاسيكية لا تزال تتلصص عليه فقرر إنهاء حياته اللونية بحوار هادئ مع الكلاسيكية. في النهاية أعلن انتصار الكلاسيكية وعبر عن ذلك بمجموعة من الأعمال ذات طابع سوريالي ضيق.

سخر من نفسه كسوريالي عنيد، سخر من السوريالية كفن، كل هذا الهدم الواعي قاده للتمرد على ما أنتجه من هذيان وحلم كان فتحا نهضويا قدم للفكر وللفلسفة وللنقد الكثير. من كان يتصور أن ينهي هذا العبقري، أو «المجنون الوصولي كما كان يحب أن يسمي نفسه» حياته كمصمم ديكور للمسرح العبثي.

آخر لوحات دالي عبرت عن صوفية لا مثيل لها، صوفية انعزالية طغت فيها مساحات الفراغ، وانحسرت الألوان لصالح مد كاسح للبياض. بياض دالي بلا شك خبأ تحته تساؤلات كبيرة لم يستطع دالي نفسه الإجابة عنها، أولها من أنا ؟.. من هو هذا الدالي اللعين، كما قال هو لصورته يوما أمام مرآة الحمام في المستشفى!...

عبد القادر طافش