هذا هو اليوم الأول الذي أحال فيه على التقاعد، ترى هل حصلت على ما أريد؟ أو هل حققت ما كنت أحلم به؟ ربّما...
أنظر حولي فأجد كل شيء كما كان، الوظيفة ليست مشكلة، فمثلما دخلت خرجت، سوى أنني ازددت معرفة وخبرة في الحيلة والمراوغة.. قد لا أكون حصلت عليهما لو أنني رضيت بما هو مقسوم لي.
المرأة، ها هي ملقوحة بجانبي على السرير، تفتح فمها، فأسمع شخيرها يرج العمارة رجاً، أراها وأحدق إليها، فأجد كتلاً متراصة من اللحم، تبرز هنا وهناك فأشعر أن جوفي يريد أن ينقذف أمامي، فأضع على الجرح ملحاً وأسكت. لقد تعوّدت عليها أو تعودت على سفالتها فأعض على ذيلي وأنكمش، بينما هي تصرخ حتى أحسّ أن السكان كلهم يتفرجون علي، وعندما أطالبها أن تهدّي، تجيبني: إنها تتكلم بصوت منخفض، فأضع بصلة تحت إبطي وأصمت.
الأولاد: تبّت يداي على ما فعلت.. الأجدر بي أن أعيش وحيداً، لا امرأة ولا أولاد.. كنت أغني الحياة وهي تغني لي، ألا بئس ما فعلت، ربيتهم كل شبر بندر، كما يقولون، الآن، كل واحد منهم يقول إن شغلي يطمرني حتى رأسي، فلا يجد فرصة حتى يتفرغ لأبيه مدة ساعة، نصف ساعة، ربع ساعة.. عندي ولدان وبنت، الأول غير موجود، والثاني مسافر، والبنت قال إنها لم تنصرف من عملها..
هل هذه هي الحياة؟ لا وألف لا، لم يبق لي شيء، أنتظر الموت لأداعبه، أو ليداعبني، كيف يجيء، يدخل على مهل، ينساب فوق الجدار، ويسري في الدم كالسارق الذي يلقي نفسه (لا تصلح هنا كلمة يلقي)، كالسارق الذي يتسلل إلى بيوت الحدائق، التشبيه هنا خاطئ، لأقل إنه ينساب في الجسد مثل غرفة أطفئ عنها النور، لا هذا أيضاً غير مناسب، ينساب من رأسي باتجاه الأسفل، وأنا أموت، تموت العروق التي تحمل الدم، ثم الرئتين، ثم الكبد ثم نصفي الأسفل، لكن دماغي يظل يعمل، آخر ما ينطفئ، حينذاك تكون الدنيا بألوانها الطبيعية، ثم نحو البنفسجي، فالأغمق إلى أن يعمّ السواد، ترى هل أدرك كل ذلك؟
لماذا أتشاءم؟ لماذا لا أقبل على الحياة من جديد؟ لنقل إنني ودعت حياة واستقبلت حياة، حياة كلها تعب وقهر وتمسيح جوخ وعداوات وحفر، وها إنني أنهض لأبدأ حياة جديدة، حياة كلها حب ومسامحة وقيم نبيلة.
«قيم نبيلة»، ما معنى قيم نبيلة، كنت قد نسيت هاتين المفردتين، لم استخدمهما منذ زمن. منذ حياتي الجامعية الأولى، فما إن تخرجت من الجامعة، وأديت خدمة العلم الإلزامية، حتى عينت في موقعي الوظيفي، رحت أحفر لهذا وأنصب عداوات لذاك حتى صرت مديراً عاماً للشركة.
هذا التاريخ لا يعنيني، فقد كنت فيه مسيّراً ولم أكن مخيّراً، لذلك لم أستخدم جملة من مثل «قيم نبيلة».
سأطلع الآن من هذا التاريخ وسوف أبدأ حياة جديدة، سأبدأ عملي، ولكن ماذا سوف أعمل؟.. أعمل «مديراً عاماً» لا يوجد وظيفة بهذا المنصب، فالقطاع الخاص لا يلزمه مدراء عامين، ثم إنني بلغت من العمر ستين عاماً، أي شركة سيلزمها خاتمي وتوقيعي. عندما أجلس وراء الكرسي وأضع توقيعي للعشرات، وأجعلهم يدعون لي بالخير والبركة، انظر الآن، تراهم كلهم واقفين ينتظرون توقيع المدير الجديد، وهو جنابه لم يشرف إلى الآن، كنت قد ملأت الدنيا تواقيع منذ الصباح، أحضر أول الناس، فأفتح الأبواب وأراقب نظافة المكان، أخي الآذنون يتمرغون على الفرو الناعم، يريدون عصا جميلة.
وإن لم يكن عصا، اجعلها وردة، المهم أن تضربه بشيء، وإن لم ينظف المكان، خليها علينا، ننظف نحن، ماذا يجري إذاً، الناس لبعضها، أصلاً أربعة مستخدمين لا يلبون الحاجة، نحن بحاجة إلى ستة، فدائرة بهذا الحجم لا يكفيها هذا العدد، لقد كان عددهم ستة، واحد آخذوه إلى الحزب والثاني خطة أمنية.. أنا أعرف أين يأخذونهم؟
البارحة فقط جئت قبلهم جميعاً، بساعة تقريباً، نظفت الدائرة فجعلتها تفوح برائحة النظافة، لو لك أنف كنت تأتي وتشمها، هم يظنون أنني سأتأخر، إطلاقاً، فرغم أن ذلك هو اليوم الأخير لي باغتهم، وحضرت قبلهم جميعاً، حتى نائب المدير تفاجأ وهو يراني أحضر قبله. فتح علي باب الغرفة، فصعق عندما رآني، سمّ باسم الله، وكأنّه يرى شيئاً من تحت الأرض، قلت له: خير يا عبدالجبار الصطفوف، فقال.. لا لا... لا شيء. وأغلق الباب.
الموظفون والموظفات جميعهم ارتبكوا، المدير الذي لا يجعل موظفيه يرتبكون ليس مديراً، الجملة جيدة، ولو كنت على رأس وظيفتي لخططتها وكبرتها ووضعتها عند مدخل الموظفين، حتى يقرؤوها كل يوم عند الصباح وعند المساء، أو الأفضل أن أضعها عند الممر في الطريق المؤدية إلى غرفة «لينا» مسؤولة العلاقات العامة، تتوسع عينيها أكثر كلما قرأتها، تكحل عينيها بها كلما رفعت رأسها، حقيقي إنها بنت ولا كل البنات، هل كانت هذه المرمية إلى جانبي يوماً بمثل جمالها.. أبداً، من يوم تزوجتها لم يتغير شكلها.
أغلقُ فتحة هنا وفتحة هناك، بينما «لينا» هذه طيب الله ثرى البطن الذي حملك، أية نافورة عذبة سقتك، وأي غصن طري حملك، أنت ريحانة القلوب، ونبعها الفوار، أتعتقدين أنني صخرة لا أحسّ بكِ؟ كم كنت أتمنى لو تنزلين إلى مكتبي دون دعوة مني؟ لكنت أعطيت إجازة لكل الموظفين، كم كنت أتمنى أن أسمع الرنين العذب لابتسامتك، اضحكي، يا إلهي، حيث تمتلئ السحب بالغيوم الراقصة، وأرى الخرفان تثغو بالأمل، الريح تصبح عطرة كلما مرّت عليك.
والصباح يبدأ جميلاً هذا اليوم، وضحوة النهار كذلك وبعد الظهر أيضاً، إنها لا تشبه موظفة الديوان في شيء تلك القابعة بترهلها وراء مقعد الطاولة، لا شيء يجعلهما متساويتين غير أنهما لم تتزوجا.. فموظفة الديوان لم تتزوج أيضاً، صحيح إن موظفة العلاقات العامة أكبر قليلاً، لكنها أجمل..
ماذا سيحصل لو أنها تزوجت فعلاً، ستضج الدائرة وتحدث ثورة، ثورة في العلاقات العامة، هذا ليس عنوان فيلم أو مسلسل تلفزيوني، بل هو زواج على الطريقة الأميركية، يعني ماذا يحصل لو أنها تزوجتني، أولاً أنا متقاعد، يعني متفرغ لها. ثانياً، عندي كل ما تحتاجه من مال وثياب وعبيد، أقصد مالاً تشتري به ما تريد، ونمحو كلمتي ثياب وعبيد، اشتري لها بيتاً وأفرشه كما تريد، أضع لها الأحلام في ثنايا البيت، أوزعها كل حائط عليه حلم كبير، وباقي حيطان البيت، أضع فيها الأحلام الوردية الصغيرة فوقها.
عندئذ سيكون العالم جميلاً ووارفاً بالظلال، آخذها في رحلة شهر عسل إلى مصر، لا نزور أي مكان، أجلس معها في الفندق ونتغدى حباً ونفطر حباً ونتعشى أيضاً، أمسك يدها بالطائرة وفي الفندق، وفي كل مكان تطؤه قدماي، وفي كافة الأوقات نجلس مع بعضنا، أحكي لها القصة وهي تضحك، أقصّ عليها أخبار الموظفين فتتساءل بدهشة، أحقاً يجري كل ذلك، فأخبرها أن نعم، يجري ذلك وأكثر.
أخرج لها الدفتر السري، وأقرؤه لها صفحة صفحة، سأجعلها تصاب بالذهول من الأخبار التي سأنقلها لها، ستشعر بالغثيان وهي تسمع عن علاقة الموظف س بالموظفة ج، سأفتح لها صورة التقارير المرسلة، وبخط أيديهم، سأريها وضع الموظفة ك مع الموظف ع، وحتى عندما ضبطتهم، ماذا كتبا لي؟
ستقول لي كل هذه التقارير، سأقول لك هذا عن عام واحد، هناك مئات منها، ما رأيك أن أقصّ عليكِ أخبار صعودي؟ كيف صرت مديراً عاماً؟ اسمعي يا حبيبتي، قبل كل شيء، لم لا نرقص قليلاً، أضع موسيقى راقصة وسوف تشاركيني هذه الرقصة، لا ليس هكذا، أنا أجلس على الأرض هكذا وأنت ترقصين لي وأنا أغني معك، تهزّين خصرك هكذا وأنا أغني لكِ بـ «يا ليل.. يا ليل».
حينذاك كبسه صوت المرأة التي بجانبه.
ما بك؟ هل جننت؟ ألا تتركنا ننام؟
نهض يرتدي ثيابه وينسل إلى الحديقة العامة، حيث يجلس المتقاعدون.
فيصل خرتش
