ثمة دائماً وسادة خالية متحولة تستجيب لرغبة فينا، وسادة صنيعة الرغبة تلك، نتوق إليها، تظل شاغرة باستمرار، ثمة وسادة نريد مفارقتها تحمل بصمة آلامنا، يستحيل نسيانها
في الوسادة تحضر ألوان قوس قزح، تكبر المسافة بقدر ما تتعمق بين أيٍّ منا ورغباته تلك التي تحققت والتي لم تتحقق ولن تتحقق كذلك، تحضر ذاكرتنا التي يصعب البتُّ في كيفية تدشينها بالحرف الأول، بالمشتهى الأول، حيث الجسد مأخوذ بها، وهي تمتد كما تنبسط مانحة الرأس فسحة كافية لمعاينة رغباتنا أو مكاشفتها، مغطّية تاريخاً طويلاً تستحيل الإحاطة به، إذ يختلط الحلم بالواقع، الفرح بالألم.
ينتثر العمر انطلاقاً منها، تتخذ تلك مقامات مختلفة! إنها صورها، هيئاتها، أفانين علاقتها بنا، أو صحبتها معنا، مثولها في النظر والخيال، توقنا الدائم إليها، تكون مهاد أحلامنا ، معارض أهوائنا، «ولدناتنا» الجميلة أو المحببة إلينا وهي لا تنقطع عنا، مرسيً يومياً لِما أبحرنا ونبحر باسمه دائماً، فيكون الاختلاف حول حدود مؤثراتها فينا، وسحر اسمها، وليس عليها.
بين طفولة في شهقتها الأولى (يستميت كل منا في الدفاع عن وسادته، يتباهى بها لكأنها محميَّته الكبرى، وهو يلوّح بها للأهل والغرباء في سنّيه الأولى، وهي في تدرجاتها وتفرعاتها)، وصبانا المتلون برغبات الآتي ورائحة من نحب، وشبابنا بأحلامه المجنحة أو جموح قواه، ورزانة القول والفعل، والشيخوخة المدرِكة أكثر لفضائلها، تكون الوسادة وهي شاهدة على سيرة حياة كل منا، إذ يودعها ما لا يقال أو يُهمَس لأي كان.
لا بأس أن تكون ناعمة أو قاسية قليلاً، عالية أو واطئة، كبيرة أو صغيرة، ما يهمُّ هو اسمها، هو ارتباطنا بها، إذ يستحيل الفصل بين أي رغبة تتملكنا أو نريد البوح بها بداية، أو نستسلم لفتنتها، وتلك وهي صامتة، في هيئة كتاب مفتوح على دفتيه، وربما القرطاس الذي ندوّن فيه ما يعنينا، وجمهرة العلاقات التي تسلسلت من النفَس الأول إلى الأخير في المسافة الفاصلة والمثيرة بين المهد الأول، السرير الأول، الأرجوحة الأولى، بين أغلى يدين وأعظمهما نبلاً وسطوع حب، تمثلان الوسادة الأولى، هما: يدا الأم، والنقطة الأخيرة المعيّنة لحرف العمر، لنهايته المجهولة.
الوسادة: مسقط رغباتنا التي تترى، ساعة أحلامنا الدقاقة تلك التي نسمعها من الداخل، المسرح الحي لما نريد وما لا نريد، لتكون المسند والمرصد وهي في وداعتها الأثيرة، نقاط استنادنا ونحن ننتقل من فسحة عمرية لأخرى، من حالة نفسية لسواها، إذ تكون معنا، حتى لو كانت مفارقة لنا، وهي تكون المخدَّة توصيفاً، بما أنها لصيقة الخد« متن الوجه»، ساندة الرأس، شاهدة على تقلباتنا في وضعيات شتى، تكون الرحم المفتوح كلما أيقنا أن استتباب هدوئنا ومقر أمننا النفسي، في خلوتنا، أو راحتنا، أو في ساعة القيلولة، أو مدار النوم، يكون بفضل ضمني منها.
الوسادة تكون« أل» التعريف لكل ما يخطر في الذهن، ما يمكن تخيله أو تصوره بالمفرد والجمع.
لكلٍّ وسادة ، مرت بنا أو مررنا بها، علامة فارقة تبقينا مشدودين إليها في الزمن المنتثر، وبحسب أهميتها. الوسائد، بالجمع، جمهرة عوالم وخيالات، ثمة دائماً وسادة خالية متحولة تستجيب لرغبة فينا، وسادة صنيعة الرغبة تلك، نتوق إليها، تظل شاغرة باستمرار، ثمة وسادة نريد مفارقتها تحمل بصمة آلامنا، يستحيل نسيانها..
وسادة تنبض بحياة لا غنى عنها: يد الأم وهي تسند رأس الرضيع الصغير حتى وهو يغفو، وسادة الأبوين، العاشقين: مرآة اسمه. وسادة الكاتب، المحلل النفسي، المريض، الوحيد، المسكون بلوعة الفراق أو الاشتياق لمن يحب، القلق، الزاهد المسالم مع روحه، الحر، السجين... !
الوسادة التي تسمّي عوالمنا وهي في صمتها البليغ، الوسادة التي ترسم حدود تنقلاتنا، تحدد خطوط جهاتها وأبعادها، الغرف التي انتقلنا إليها وخرجنا منها في حالات متنوعة في بيوت الأهل والأصحاب والغرباء، الوسادة التي يطمَئن إليها، وتلك التي تستحيل حجراً ناتئاً بحسب المكان ومن يمثّله براً وبحراً وجواً، إذ ليس من مكان إلا وثمة وسادة ما في انتظارنا، وأخرى تودعنا في صمت، وثمة آثار، وشوم لا تُرى لرغبات، لحرارة مشاعر وأحاسيس، لدموع هي مدادها المكتوم، وسادة تكون الأولى تكون في أتم استعداد لنا قبل الولادة، وأخرى تكون شاغرة، أو خالية، أو تكون الأخيرة لحظة الرحيل الأبدي.
في الوسادة، باسمها، بمعاينتها، يمكن الدخول إلى عالم المتوسد، ما يكون عليه وضعه، ونحن نكاشف في الوسادة تلك ما هي عليه موقعاً وطبيعة. لكل وضعية منها، فيها، ثمة مجال لقول مختلف. للوسادة أسماء وألقاب وأمكنة بقدر ما تسمّي أصحابها، ومن يجب أن يكونوا، فهي في حقيقتها تتجاوز حدود التسميات والأوصاف، بما أننا نعجز عن التسمية الفعلية لما نكونه بحقيقة أفعالنا وميولنا تلك التي ترتد إلى الوسادة والمعوَّل عليه عبرها.
إنها مذكراتنا الأولى والأخيرة العصية على القراءة والأكثر لغزية وشاعرية، لهذا يكون سر تعلقنا بها!
ابراهيم محمود
