لعل أهم ما تواجهه دبي من تحد هو تعايش القديم والحديث في تناغم لا يؤثر على الحياة اليومية والمستقبلية. البيوت القديمة التي تعبق بروائح التاريخ والماضي لا تزال تتسرب إلى أنوف الأجيال الشابة وتذكرهم بحقيقة تراثهم وعراقة بلدهم.

ولعل ما تبذله إدارة التراث العمراني في مجال ترميم هذه البيوت القديمة وإعادة الروح لها هي من المهمات الوطنية الملقاة على عاتقها باعتبارها المسؤولة عن كل الأبنية التاريخية. بعض هذه الأسواق ما زال قائماً على ما كان عليه في الماضي وبعضها تم ترميمه وبعضها اختفى. الأسواق في دبي منتشرة في كل مكان، فأينما تتلفت تطالعك الأسواق بجاذبيتها وجمالها والطابع المميز لكل منها. فعلى جانبي الخور تجد الأسواق القديمة وفي كل مكان تنتشر مراكز التسوق الحديثة الرائعة.. ولن ننسى ممرات سوق الذهب القديم وواجهات المحلات المفعمة بمشغولات ذهبية مختلفة، ورغم تعدد مصادرها ومشاربها فهي الأرخص على مستوى العالم، وحكاية هذا المعدن الثمين في دبي تروى بلغات شتى فهناك المشغولات الهندية، والإيطالية، والبحرينية، والسورية، والمحلية، وجميعها تجد تألقها وشهرتها هنا في «مدينة الذهب»، حيث أصبحت دبي اسماً رائداً على مستوى العالم كمركز تجاري مهم لهذا المعدن الثمين.

والأسواق القديمة زاخرة أيضاً بالكثير، فهنا التوابل، وهناك الحرائر الطبيعية والأقمشة القطنية تنسدل بألوانها المختلفة من خلال واجهات المحلات. إن التقدم الاقتصادي الذي تعيشه الدولة ما هو إلا امتداد للأسواق التقليدية وهي في الوقت نفسه نواة النهضة التي نشهدها حالياً. إن الأسواق التقليدية هي بمثابة الذاكرة الاقتصادية للأمة ويجب الحفاظ عليها، فالإمارات اليوم تحتل شهرة عالمية في مجال الاقتصاد والتجارة ولديها ارتباطات واسعة على النطاق العالمي ومن المؤكد أن جذور هذه العلاقات تتمثل في الأسواق القديمة. والحديث عن المراكز الحديثة قد يطول ويطول، فالتسوق هنا في هذه المدينة التجارية حتى النخاع له طعم آخر، فهو ليس اقتناء للاستهلاك بقدر ما هو ثقافة ومتعة وإدمان، فارتياد هذه المعالم التسوقية التجارية الجميلة متعة للكثيرين واقتناص فرص سعرية هي الأرخص على مستوى العالم أيضاً.

أحمد محمد العناب، مدير جمعية التراث العمراني، يقول «رسالة الجمعية أساساً هي المحافظة على كل ما هو تراثي، وتأتي الأسواق في الدرجة الأولى من الأهمية لأنها مكان تجمع بشري ومتنفس للعائلات، إضافة إلى ما تتحلى بها من جماليات تسهم في إعطاء روح المدينة». * ولعل أول ما يلفت النظر هو: كيف تم ترميم الأسواق القديمة التي انهارت وتساقطت بمرور الزمن؟ ـ يجيبنا عن هذا السؤال، المهندس أحمد محمود، رئيس قسم المباني التاريخية في إدارة التراث العمراني «تم ترميم السوق على مراحل عدة، وشملت الأساسات والجدران والأسقف وقد استخدمت المواد والأساليب التقليدية في أعمال الترميم.

أما مشروع إعادة بناء منطقة البستكية التاريخية، فتضمن ترميم المباني التاريخية في هذه المنطقة التي تشكل الأسواق جزءاً أساسياً منها، وهي الآن قابلة للتشغيل وتتميز بعودة التجارة الحيّة إليها».

تمتد هذه الأسواق محاذيةً للخور لمسافة نحو ثلاثمئة متر وعمقها باتجاه الجنوب نحو مئتي متر، ويرجع تاريخها إلى حوالي عام 1890، وهي تمثل أحد المعالم المعمارية التي تتميز بها مدينة دبي بطابعها العمراني والمعماري، حيث البراجيل الشاهقة والبيوت ذات الساحات ـ الأحواش ـ والزخارف المتنوعة الأشكال، والتي تركت انطباعات ذهنية لدى رواد تلك المنطقة.

ويركز مشروع الترميم على إبراز الشخصية المعمارية للمنطقة، وذلك بتدعيم المباني، وإزالة المستحدثات المعمارية، وترميم الجدران والأسقف، وفي بعض المحلات تم ترميم الواجهات وإعادة الأبواب الخشبية حسب وضعها السابق للحفاظ على طابع السوق القديم.

رشاد بوخش مدير إدارة التراث العمراني بدبي يقول «كانت دبي منذ القرن الحادي عشر، معروفة بأسواقها كما تذكر المراجع الإيطالية والهولندية والبريطانية.

وأساسها يتكون في الحضارة الإسلامية من خط رئيسي للسوق والحوانيت المنتشرة على الجانبين. وقد عملنا على إعادة تشكيل الأسواق القديمة من خلال رفع كل ما يسيء إلى جمالياتها مثل المصابيح الظاهرة في أعلى الحوانيت وكذلك تغيير الأبواب المصنوعة من الألمنيوم إلى أبواب خشبية تقليدية لكي تنسجم مع روح المكان التراثي».

وبعد عملية الترميم الطويلة، باتت الأسواق القديمة في دبي، عامرة بمختلف البضائع القادمة من أكثر من مدينة في الأصقاع البعيدة والجوار القريب، وهي تتنوع بين الذهب والحلي والأقمشة والمواد الغذائية ولوازم البيت والعطور والبخور والبهارات التي ينتشر عبقها في المكان ليعطي للسوق نكهة الشرق وروحه الفريدة.

وتعتبر الأسواق القديمة مركز النشاط الاقتصادي في الماضي، حيث كانت تتم عمليات البيع والشراء هناك ويقوم الناس بالحصول على السلع والخدمات التي يحتاجونها منها، وتتميز السوق بتمركزها في وسط المدينة ووقوعها قرب شاطئ البحر لتسهيل عمليات النقل، وتقسم الأسواق التقليدية إلى عدة أقسام وهي الأسواق في بر دبي، والأسواق في الديرة.

بالنسبة لأسواق منطقة بر دبي فأهمها هو السوق الكبير الذي هو من أقدم الأسواق وتم بناؤه على مراحل مختلفة حتى وصل عدد محلاته إلى 50 محلاً، كما شهد أهم المعاملات التي صنعت شهرة وصيت مدينة دبي ويعبر السوق عن شخصية المدينة من خلال التمازج الكبير بين الدور السكنية والتجارية، ومن الأسواق الأخرى في منطقة بر ديرة، سوق الموضة، سوق الحرير، سوق اللؤلؤ، سوق الملابس، سوق الذهب، سوق الأطعمة، سوق السمك وسوق الساباط.

السوق الكبير في بر دبي

هو أقدم الأسواق في مدينة دبي حيث صنعت المعاملات التجارية الواسعة التي تم عقدها من خلال شهرة المدينة ويعتبر توجهاً لشخصية المدينة من خلال التمازج بين الدور السكنية والتجارية في إطار من علاقات تخطيطية تستحق وتستوجب الدراسة والتحليل، وتتفاعل مع المباني مختلف العناصر المعمارية التي عرفتها من براجيل الهواء والزخارف الجميلة المختلفة والتشكيلات المتنوعة للفراغات المعمارية، والمنطقة تتفاعل بين الخور والأسوار القديمة للمدينة لكي تمثل مجتمعاً مدنياً يتميز باكتماله وتكامله.

تم بناء السوق الكبيرة بر دبي على مراحل مختلفة واستكمل بناؤها بإنشاء خمسين محلاً تجارياً على مرمر وسطي وعلى جانبيه الشرقي والغربي بوابات كبيرة محكمة، تفتح في الصباح وتغلق في المساء، تتكون المحلات التجارية من جزأين أمامي وهو في شكل رواق على الممر الرئيسي لغرض استقبال الزبائن والجلوس، أما الثاني فمكان للتخزين.

السوق الكبير في الديرة

من أهم الأسواق التقليدية التجارية المعروفة والمنتشرة قديماً التي تم حصرها ضمن منطقة بر ديرة: السوق الكبير الذي تم تشييده في بر ديرة حوالي عام 1850 وهو أقدم وأهم الأسواق في بر ديرة، تكمن أهمية السوق الكبير باتصاله المباشر مع البناء الممتد على الخور، حيث تقف اليوم ببنائه السفن الخشبية تحمل مختلف البضائع وتمتد رحلاتها البحرية إلى إفريقيا وشبه القارة الهندية، لقد فرض الأمر أن يكون المكان ليس فقط للمعاملات التجارية والتبادلات ولكن كذلك لتوفير ما يلزم أطقم السفن التجارية.

تمتد السوق على امتداد سكة ضيقة حيث تم منع المركبات من الحركة داخلها وخلطت الدكاكين ذات تكرار المساحات الصغيرة لا تتجاوز 20 متراً مربعاً وعلى الرغم من ذلك فلم تخلُ من بعض المساحات المعمارية التي تعطي المكان دورها.

تعلو بعض الدكاكين ذات طابق واحد فيما عدا بعض الدكاكين التي لها طابق علوي ويمر الطريق عبر سوق مغطى باستخدام الكسوات الخشبية وسعف النخيل وتتوزع الدكاكين لبيع مختلف البضائع مثل السجاد والمنسوجات والأدوات المنزلية والبهارات والأعشاب الطبيعية.

مخزون ذاكرة المدن القديمة

تعتبر الأسواق القديمة بمثابة الذاكرة الاقتصادية والتجارية لأهالي دبي قديماً وحديثاً، فقد كانت محور الحياة الاقتصادية والاجتماعية أيضاً، كانت تجرى فيها عمليات البيع والشراء والمجالس والسمر وتبادل الآراء وتلقى فيها الأشعار.

منها كانت تخرج القوافل إلى الأسواق الشهيرة كالبصرة والكويت والهند محمّلة بالليمون الجاف واللؤلؤ وتعود محملة بالملابس والمواد الغذائية وغيرها.

وفي كل منطقة كان يقام سوق يخدم أبناءها وعادة ما كانت تقام بالقرب من الشاطئ في المدن الساحلية وينتشر فيها الحمالون والعمال وتبنى من الطين أو جذوع وسعف النخل أو حتى كان بعضها أسواقاً مفتوحة ومؤقتة كالأسواق الخاصة ببيع وشراء التمور والحيوانات.

وبكل تأكيد سيتأثر كبار السن ممن عاصروا هذه الأسواق في فترة ما قبل النفط، فحياة الماضي كانت صعبة للغاية وستمر أمام أعينهم من خلال صور هذه الأسواق التي تعلم فيها الناس أدب الحديث والمجالس لأن البيوت كانت ضيقة ولا تتسع لاستقبال الضيوف.

إن كل سوق كانت له خاصيته ولكل سوق كان له ذوقه وعصره ولا يمكن الاستغناء عن هذه الأسواق كما لا يمكن رفض الأسواق الجديدة، فالقديم له نفحاته والحديث له رونقه وخواصه، وتحولت إلى جزء من المواقع الأثرية في إبراز الهوية الثقافية والتراثية للدولة.

إن أسواق دبي التقليدية هي الأشهر باستقطابها للناس من جميع أنحاء الإمارات على مدار السنة لأنها جزء مهم في حياة الإنسان، فالعمل قديماً كان يتم فيها حيث التجار والحمالون والفرضة والعمال.

وكان يتم إنشاؤه بالقرب من الشواطئ والسواحل غالباً حيث تأتي السفن وتجار اللؤلؤ والأسماك وكانت تخرج رحلات من هذه الأسواق إلى مناطق الخليج كالبصرة والكويت والبحرين وقطر في الشتاء حاملين معهم الليمون الجاف وزعانف الأسماك وبعض أنواع التمور ويجيئون محملين بالتمور من البصرة ومنتجات أخرى، وفي الصيف كانت التجارة الرئيسية مع الهند وزنجبار وإيران وعمان.

حيث يذهبون للهند باللؤلؤ ويعودون بالأرز والمأكولات ومواد البناء كالأخشاب والشندل، مشيراً إلى أن دبي والبصرة والكويت والهند.

وهذه الأسواق بعضها مبني من سعف النخيل كما كانت هناك أسواق مفتوحة غير مبنية في المناسبات مثل أسواق التمور وأسواق المواشي.

وعلى سبيل المثال كانت العين تصدر إلى دبي وأبوظبي والشارقة التمور والفحم والفواكه وتستورد منها بعض احتياجات المدينة من ملابس وأرز وكل ما هو موجود في المناطق الساحلية ولم تكن القوافل التي تجيء محملة بالمواد الغذائية والملابس تنقطع طوال العام قبل ظهور النفط.

بعث الروح في الأسواق القديمة

أما مشروع إعادة السوق القديم، فتضمن السوق القديم في بر دبي وديرة، حيث يقع سوق بر دبي بمحاذاة خور دبي ـ يبدأ من موقع الجمارك القديم وينتهي عند منطقة الشندغة ـ هو أقدم وأهم الأسواق في مدينة دبي، شيد حوالي عام 1850، وصنعت المعاملات التجارية الواسعة التي تم عقدها من خلاله شهرة المدينة.

ويترجم شخصية المدينة، من خلال التمازج بين الدور السكنية والتجارية في علاقات تخطيطية تتفاعل بين المباني بمختلف العناصر المعمارية، من براجيل الهواء والزخارف الجصية والتشكيلات المتنوعة للفراغات المعمارية.

والمنطقة تتفاعل بين الخور والأسوار القديمة للمدينة لكي تمثل مجتمعاً مدنياً، وتمت توسعة السوق عدة مرّات، آخرها عام 1956، ويتكون السوق من محور رئيس واسع مغطى بشكل تقليدي، وعلى جانبيه شيدت المحلات التجارية بعرض 5,3 أمتار تقريباً.

أما السوق القديم بديرة، فيقع في منطقة الرأس، حيث شيد حوالي عام 1850 وهو على قدر كبير من الأهمية لأنه كان ولا يزال، يرتبط بالميناء الممتد على الخور، ويؤثر مباشرة على التكوين المعماري للمكان، بالإضافة إلى كونه مكاناً خاصاً بالمعاملات التجارية والتبادلات بأنواعها، إلى جانب أعمال التجارة السريعة ومتطلباتها من مخازن تتميز بصغر المساحة لذا يمثل السوق الكبير جانباً متميزاً ومهماً من شخصية وتاريخ دبي القديمة والحديثة.

وقد تمت توسعته عدة مرّات، آخرها كان عام 1956، وجميع ممراته مظللة بشكل تقليدي وله محاور طولية كل منها مختص ببضاعة محددة، حيث تشمل أسواق الملابس والبهارات والمناظر والمواد التموينية.

شاكر نوري