رواية «طروس إلى مولاي السلطان» تعود بنا مؤلفتها سارة الجروان - الاسم الفني للكاتبة الإماراتية حصة الكعبي إلى زمن مضى وانقضى، برغبة منها في استعادة زمان مازال يرتبط بالحاضر ويؤثّر فيه، على اعتبار أن العادات والتقاليد التي أنتجها ذلك الزمان يظلّ لها استطالاتُها في الزمن الجديد، ونعني به زمان الدولة الحديثة، فتعيق هذه الاستطالات الحراك الاجتماعي والثقافي على نحو ما يراه البعض ضاراً، أو ما يراه آخرون مفيداً، غير أن سارة الجروان كما في أطروحاتها المبكّرة ستؤكّد لقارئها أن سيرة قمع المرأة واضطهادها تؤلمها كثيراً، فتعمل على تبيان نواتج هذا العنف من خلال فضح العقلية الذكورية السائدة سواء داخل الأسرة أو في المحيط.
تسعى الروائية في استهلالها الأولي إلى تقديم لمحات مشهدية أشبه بلقطات سينمائية لبلدة الخضراء التي استقر فيها الشيخ ابن عتيج وقومه، وبذلك فإن الشيخ ابن عتيج سوف يستأثر بالحكي خلال الفصلين الأولين، وستتمركز الأحداث عليه، ومن خلاله سوف تنفتح مجموعة من الأطر الفرعية، سوف تسعى الساردة إلى الكشف عنها بوسائل تقنية تنم عن خبرة وجرأة سردية في متابعة الجزئيات والتفاصيل.
وهذه القدرة على التنقيب في تفاصيل الحياة الاجتماعية لا تنسى بطبيعة الحال وضع المرأة وعلاقتها بزوجها، وطرائق الزواج في تلك الأيام، والحضور الذكوري القوي، وذلك من خلال عدة أنساق: يأتي في مقدّمتها الحياة اليومية الاعتيادية للشخوص حيث إنها ترصدها بكل دقّة بدءاً من الاستيقاظ صباحاً والحركة داخل المنزل وخارجه وحتى العودة إلى النوم.
وبعد موت ابن عتيج سوف يتابع القارئ الكثير من العلاقات الاجتماعية من خلال التركيز على شخصية جمعة الذي ورث والده كشيخ لقبيلة بني كعب وللخضراء عموماً، ومما لا شكّ فيه أن مجموع العلاقات القائمة في «الخضراء» كنموذج متخيّل لـ «ماكوندو»، سوف يصطحب معه الكثير من حكايات الخوارق والأعاجيب، كفانتازيا تعبّر عن آليات التفكير المجتمعي والعادات وتعبّر في الوقت نفسه عن رغبة الكاتبة من الاقتراب من عوالم الفانتازيا الواقعية بعدما لقي هذا النوع من الرواية شعبية لدى القراء في العالم بعد ماركيز.
ومن خلال ما تقدّم سوف نرى أن الخضراء، بعاداتها وتقاليدها، وبأنماطها الاقتصادية والثقافية كانت تقف بين زمنين متضادين يمكننا توصيفهما بزمن الخرافة وزمن ما بعدها، أو زمن القبيلة وزمن الدولة، وإلى ذلك فإنها موضعت نفسها على نحو حائر بين دولتين مهمّتين، وكان عليها أن تقرر اتجاه سيرها في هذا الطريق أو ذاك، وهو ما كان يفكّر فيه جمعة به على نحو جاد.
وهذا التوجّه نحو الواقع الجديد سوف يؤثّر على عملية السرد التي كانت متماسكة فنياً بما قدّمته من حبكات وخيال وخوارق، نحو ما يشبه الوثيقة التاريخية ومراكمة سرد إخباري سيري للعائلة، ومن خلال حديث جمعة سوف يعلم القارئ أنه يفكر في الاستفادة من منجزات الدولة ومؤسساتها، بمعنى آخر يريد الخروج من زمن الخوارق والأعاجيب نحو الزمن الجديد الذي فيه مستشفى، ومدارس ونظام مختلف أعجب به كما أعجبت به الأجيال الجديدة من الشباب الذين اتّجهوا إلى أبوظبي للتطوّع في صفوف القوات المسلحة.
وسيمثل الجيل الثالث لأسرة ابن عتيج هذا الزمان الجديد، ونتعرّف إلى الفتاة حصّة وهي في الرابعة من العمر تعيش مدللة من قبل والدها ووالدتها ما جعل منها بتعبير الساردة أكبر من عمرها:
وحصّة هذه سوف تغدو شخصية رئيسة تتمركز حولها الأحداث بدءاً من الطرس العاشر، إلاّ أنها فعلياً ستأخذ مساحة من السرد كبيرة قد تبلغ نصف الرواية.
سيتابع القارئ تفاصيل هذه الحياة بمختلف جزئياتها، وانعكاس ذلك على عائلة جمعة الكبيرة، وعلى حصّة التي كانت سعيدة كل السعادة بوسطها الجديد وخصوصاً صديقاتها ومعلّماتها، ولم تتوان الصغيرة لحظة في اكتشاف المزيد مما يغاير زمن الخضراء وحياتها، بتلك اللغة الوصفية الممتازة بشاعرية لها خصوصيتها، أو بما قدّمته من مونولوجات لشخوصها وعلى نحو أخصّ المونولوج الختامي لحصّة.
ومن ثمّ الدفع بالرواية إلى لحظة مفارقة مليئة بالصراع وتستجيب في الوقت نفسه لقدر مرسوم، حيث إن العائلة بكل ما جلبته معها من أثاث وذكريات سوف تجلب معها أيضاً تقاليدها الصارمة في التعامل مع الفتيات سواء بتزويجهن المبكّر أو بعقابهنّ، نظراً لأن المدنية لم تتمكّن بعد من تغيير جيل الشباب فكيف بجمعة الذي نمي إليه بأن ابنته تحبّ، أو أنها تراسل شاباً.
الأمر الذي يدفعه لاتخاذ قرار قاس نصّ ببساطة على إقصائها من حياة العائلة بتزويجها من رجل عجوز له زوجتان، وليتحوّل عرسها إلى فجيعة حقيقية مثلتها الساردة بحكاية «الهام» أو الوحش القادم من زمن الخضراء ليختطف حصّة الصغيرة ويرمي بها في جحيم تعرفه جيداً نساء الخضراء، ولذلك فإنها عندما هربت من بيت زوجها قالت لها أمّها: سيقتلك.. عودي من حيث أتيت، فردّت عليها: سأموت من حيث أتيت.. سأموت. فتجيب الأم: موتي هناك أشرف لك ولنا.
عزت عمر
