صدر للأديب التركي أورهان باموق كتاب جديد تحت عنوان «ألوان أخرى» يرقب فيه أشياء سوقية بسيطة على غرار الثلاجة أو منفضة مستعملة للسجائر ويحولها إلى تجارب تتمتع بشي عظيم من الحدة. «من أجل الكتابة هناك حاجة للشعور بعدم المسؤولية، فضلا عن نظرة طفولة»، كما يقول الكاتب الحائز على جائزة نوبل للآداب عام 2006في حوار أجرته معه صحيفتان، «لا فانغوارديا» الاسبانية و«كلارين» الأرجنتينية، على هامش مهرجان الأدب في غرناطة، اسبانيا، الذي أقيم بين 7-10 مايو الماضي في قصر الحمراء الأندلسي، الذي دخله لأول مرة بنظرة تزينها أوهام جميلة لا تعتري سوى طفل صغير.
ويبدو أن صاحب نوبل قد راقت له زيارة القصر الذي شاهده صغيرا وسحر به من خلال صور كتب التاريخ المدرسية التي كانت في متناول يديه الصغيرتين. ولقد ظهر في فناء وأروقة المبنى المهيب برفقة صديقته الحالية الروائية أيضاً والحائزة على جائزة «بوكر» الهندية كيران ديساي وسرعان ما برز كنجم لهذه الدورة من مهرجان «آي الحمراء»، والتي تعني «هناك حمراء»، الذي يجتذب للمدينة الأندلسية عددا من أبرز الكتاب حول العالم. الحوار يدور حول صدور عمله الجديد «ألوان أخرى»، الذي يصنف في إطار الكتب غير الروائية،فضلا عن موضوعات أخرى تتعلق بأعمال أخرى له وبالشأن السياسي، لكن قبل هذا أو ذاك، كان من الطبيعي أن يكون مستهل الكلام قصر الحمراء نفسه إلى جانب اكتشاف هذا المعلم الأثري العظيم من قبل أديب عملاق بعد أن أصبح عمره 57 عاما، غير أن باموق أن الوقت لا يكون متأخرا أبدا للقيام بأي شيء في الحياة، مضيفا: «أنا مسرور وسعيد بالتعرف عليه أخيرا، هندسته المعمارية تسحرني مثلها مثل الثقافة الأندلسية كلها، التي لها قدم راسخة في الإسلام وأخرى في الغرب، الأمر الذي يبدو لنا،نحن الأتراك،على جانب كبير من الأهمية. أنا لم أسافر إلا قليلا طوال حياتي، كنت أفضل البقاء حبيسا في غرفتي وأكتب لمدة عشر ساعات يوميا مثل موظف في مكتب بحيث يبدو لي أن هذا هو العمل الذي أقوم به. كما أنني عشت دائما في اسطنبول، على الرغم من أني أعطي دروسا خلال أحد الفصول الدراسية في جامعة كولومبيا في نيويورك».
وفي معرض رده على سؤال حول وجود حالة من التشابه والمصاهرة بين مدينتي اسطنبول وغرناطة لجهة أنهما ترمزان إلى اتحاد ثقافتين، الإسلامية والمسيحية، أكد باموق أن جميع المؤسسات والمرافق في تركيا تحتوي على صور ومناظر لقصر الحمراء وجامع قرطبة»، معتبرا أن ذلك له وجهان، فهو دلالة على قوة الحضارة الإسلامية، ولكن أيضاً على رغبة الإسلام في التعايش بتناغم مع الثقافة الغربية، وذلك كنموذج لتلك التنافسية وذلك ما يثير اهتمامي».
وبالانتقال إلى موضوع كتابه الجديد «ألوان أخرى»، الذي يلمح فيه إلى أن فعل الكتابة يتطلب شيء من الشعور بعدم المسؤولية، قال باموق إنه ثمة مواد تأتي من مئات المقالات التي كتبتها ومن يومياتي وخطاباتي ومقابلاتي وحتى من قصصي، مضيفا: «مثلما قال الروائي الفرنسي بروسبير ميرميه، فإن العالم مشغول ليكتب في رواية. فلا شيء يضاهي الرواية، وأنا على يقين من ذلك.
إنه الجنس الأكثر قدرة على تفسير العالم. لكن لسوء الحظ أني لا أستطيع إدخال بعض التجارب المتعلقة بأشياء صغيرة جدا أو مظاهر معزولة إلى رواياتي، وهذا ما دفعني إلى كتابة ألوان أخرى بهذه الطريقة، التي لعل فيرجينيا وولف كانت لتسميها لحظات مكثفة للكون. وهكذا قمت بمزجها وتوليفها في كتاب ذو نوعية متشظية، قطع لا تنتمي إلى كل بعينه، لكنها في الوقت نفسه وفي العمق تمثل شيئا متحدا».
من يقرأ مؤلف باموق الجديد يلحظ بسهولة أن جانبا كبيرا منه مكرس لتكريم والده، حيث يقول: «لم يوبخني أو يضربني قط، كان متفائلا وفرحا دائما. بالطبع كان رجلا ثريا وتمكن من العيش على النحو الذي عاش عليه بعيدا عن القلق. حتى أنه كان يقول لنا: أنا كنت قادرا، لكن المال قد ذهب، وهكذا سيتعين عليكم العمل أيها الأولاد، وكنا نضحك جميعا. منحني ثقة كبيرة، فأي رسما كنت أخطه، أي شيء كان يبدو له عبقريا وكان يعبر لي عن ذلك بأن يكيل على عبارت الثناء والمديح، من دون ثقته لما أصبحت كاتبا.
وكان لا بد للحديث مع باموق أن يعرج على رواية منتهية وجاهزة له لكنها لم تنشر بعد وهي تحمل عنوان «متحف البراءة»، التي قال أنها ستصدر باللغة الاسبانية في أكتوبر المقبل، مؤكدا على أن العمل بها استغرق 6 سنوات وأنها حكاية حب استمرت 35 عاما بين رجل من الطبقة البرجوازية الرفيعة وابنة عمته، لكنها تروي في الوقت نفسه مجريات ألأحداث خلال حقبة من الزمن تمتد من ستينيات القرن الماضي حتى القرن الـ21 الحالي.
ويوضح مؤلف رواية «الثلج» أن عمله الأدبي الجديد هذا «هو كتاب حول الرغبة بأن يكون المرء أحدا ما وهذا لا يقتصر على الأشخاص فحسب بل يشمل الأشياء أيضا، أشياء، ألوان، أصوات.. إنها رغبة الامتلاك، الاستحواذ، وأنا أتكلم هنا عن هواة جمع القطع والتحف الفنية وبالتالي عن المتاحف».
وتروي هذه القصة الممتعة والمثيرة للاهتمام حكاية رجل يبدأ بعمل متحف فيه كل المتعلقات التي لديه أو التي يجدها مرتبطة أو على علاقة بما يختلج في صدره من مشاعر حب أثناء وجوده إلى جانب حب حياته، من تلك المتعلقات، مثلا، رقعة توضع عليها الكؤوس تذكره بشيء ما،أغراضها،أغنية ما سمعاها معا.. إنها قصة حب تستحضرها الذاكرة. لكن يمكن اعتبارها، في الوقت نفسه، كاتالوج «متحف البراءة»، ذلك المتحف الذي يقول باموق إنه دعي لتأسيسيه في إسطنبول.
وبالفعل فلقد شرع في العمل على بناء ذلك المتحف منذ نحو شهر، وهو يلتقي بالمتخصصين في ميدان الهندسة المعمارية لوضع مخططات المبنى وتفاصيل أخرى، وهو يقول في هذا الصدد: «أنتم تعرفون أني كنت طالبا في كلية الهندسة المعمارية.. رغم أني تركتها».
وفي رده على سؤال عما إذا كان من هواة جمع التحف قال: «حسنا، لدي بعض القطع الصغيرة وأشياء أخرى، لكني لا ألزم نفسي مثل هواة جمع التحف. فأنا أجمع أشياء، لكني لا أجعلها هاجسا يسيطر على تفكيري، اسوق لك مثالا: تعرفت إلى الكثير من هواة جمع الكتب، لكني وجدت نفسي أمام حقيقة أنهم لا يقرأونها قط، أما انا فإني أقرؤها.
لكن ما الذي يرجوه باموق من الحياة؟ الإجابة تأتي على لسانه وكأنها قادمة من عالم البديهيات، إذ يقول: «أريد جرعتي اليومية من الأدب، على ان تكون من نوعية جيدة وحقيقية وقوية، ولكتاب غيبهم الموت إذا أمكن،لأني، على هذا النحو، لا أشعر بالغيرة.
للسياسية حضورها في اهتمامات كاتبنا، لا سيما وأن بلاده تركيا تموج بالتحولات والتطورات السياسية بحكم مجاورتها للحدود الجنوبية للقارة القديمة، وإذا أضيف كل ذلك إلى الأزمة المالية، التي تعصف بالعالم منذ شهور، فإن السؤال يصبح ملحا حول مسيرة إنضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي وإلى أين وصلت.
حيث يؤكد باموق أن «الأزمة ستؤخر تلك العملية. لكن حتى قبل الأزمة كان الطرفان قد بديا وكأن الواحد تعب من الآخر من دون إمكانية تحميل المسؤولية لأي منهما»، مضيفا: «لا أرى كيف يمكن كسر هذا الجمود وكيف يمكن أن تستمر هذه العملية بحماسة متجددة. لكني أحاول ألا أتكلم كثيرا في السياسة لأن ذلك يبعدني عن براءة الطفولة».
باسل أبو حمدة

