في منتصف السبعينات جاء الشاعر الراحل نزار قباني (1923 ـ 1998) إلى حلب لإحياء أول أمسية شعرية في مدينة خلد المتنبي ذكرها على مر العصور، لم تتسع قاعة المسرح لجمهور نزار، فكان اختيار صالة رياضية حلاً لعشرة آلاف زحفوا مساءً للإصغاء إلى من أعطى الشعر مفاتيح ناعمة وحوله من السيوف والأطلال إلى ستائر من حرير ومناديل مطرزة على موائد العشاق، يومها قال نزار معتذراً إن موعده مع حلب تأخر ربع قرن، لكن النساء الجميلات يغفرن لرجل لا ذاكرة له لأنه يعرف كيف يحب، ومن يحب.

في تلك الليلة ألهبت كلمات الشاعر أكف العشاق فقد بدأ معتذراً بطريقة درامية، حيث قال إن جميع الدروب لدى الأوروبيين توصل إلى روما، وكل الطرق لدى العرب تنتهي إلى دمشق، وكل مسالك العشق تؤدي إلى حلب، فزاد التصفيق لهيباً في الصالة العملاقة التي لم تشهد مباراة رياضية بعد، فقد دشن شعر نزار المسافات البعيدة بين الناس وبين الخوف، واستطاع عبر ساعتين أن يحرر المشاعر من قلقها، فقد كان حاملاً لكثير من المفاتيح لكثير من الأبواب، أبواب تعود للصدأ هذه الأيام.

في كتابه «قصتي مع الشعر» حكى نزار قباني عن دمشق وعن ياسمينها وعن حواريها من مئذنة الشحم، حيث ولد حتى باب توما، حيث يذهب الناس للتمعن في دروب من عبروا قبلهم، كتب نزار عن مدن كثيرة ولكنه اعترف ان حب النساء والمدن قضاء وقدر عندما جاء إلى حلب، وقد كانت زيارة يتيمة اختصرت شوقاً بالغاً، وكانت ببعدها السياسي مكاناً لتبادل العواطف ومغازلة المرحلة بين شاعر انتفض لسانه وبين السلطة التي ترى فيه فرداً مشاغباً وتنظر للنصف الآخر من شعره السياسي وتنسى شعره الغزلي.

يحضر نزار هذه الأيام وقد مرت ذكرى رحيله الحادية عشرة دون كلمة في صحيفة أو دون تذكر يليق، بل دون السؤال عن هدباء ابنته التي ماتت منذ أيام، هدباء التي اعتنت بشعر أبيها بعد رحيله، الشعر الذي أطلق سراح القلوب من معتقلاتها، يبدو اليوم كسيراً وخائفاً من مغنٍ لم يوفر صفحة إلا وصرخ فيها آآآآآآآآآآآآآه.

hussain@albayan.ae