كان الان جيرار سلاما قد قدّم منذ عدة سنوات كتابا عن «الانحسار الديمقراطي»، وهو يعود اليوم في كتاب جديد يحمل عنوان «مجتمع اللامبالاة» إلى طرح نفس الموضوع مع تأكيده منذ المقدّمة ما مفاده: «هذا الكتاب له طموح هو أن يحرّك المستنقع الجامد. وأتمنّى، اعترف بذلك، أن يبرهن أولئك الذين يدعونهم بالجمهوريين المعتدلين، أكانوا من اليسار أو اليمين، على أنهم لا يزالون على استعداد لرفع الصوت من أجل الدفاع عن الحريات. ذلك أنه منذ 20 عاما بدأت مسيرة تراجعية للديمقراطية الفرنسية بينما زاد احتكار السلطة من قبل رئيس أو مدير عام مفرط النشاط، لكن مع تضحيته بنفس الوقت بما هو أساسي».

وعلى الرغم من أن مؤلف هذا الكتاب معروف بانتمائه إلى معسكر اليمين، فإنه يؤكد على وجود أصوات احتجاجية حيال ما تعرفه البلاد اليوم في مواجهة تهميش رئيس الحكومة في الواقع واستيقاظ المشاعر الخاصة بالهوية ومشاريع ما يسمّى بالتمييز الإيجابي، بمعنى زيادة حصة الفرنسيين من أصول مهاجرة بالوظائف وفرص العمل في بعض القطاعات، وتقليص هامش حرية المواطنين مقابل زيادة صلاحيات الآلة القضائية، لكن المؤلف يشير إلى أن هذه الاحتجاجات كلها «لا نجد من يستمع إليها».

ويشرح الان جيرار سلاما بإسهاب آليات ابتعاد الفرنسيين العاديين عن ساحة العمل السياسي. وذلك في إطار تحول عرفه المجتمع باتجاه نوع من «اللامبالاة» المعممة. ولكن «التي تخلط جميع الأوراق وتؤدي إلى خلل جميع البوصلات».

ويعود المؤلف إلى اقتفاء أثر تراجع المسيرة الديمقراطية الفرنسية ليشير إلى أنه منذ الفترة الرئاسية الأولى لفرانسوا ميتيران التي بدأت عام 1981 «جرى المساس بالتلاحم الجمهوري». وبرز ميل نحو التخلص من الصبغة الجمهورية لصالح تمركز السلطات بيد السلطة التنفيذية، وخاصة في قمة هرمها المتمثلة في رئاسة الجمهورية.

ومما يجعل النظام يقترب من الصيغة الرئاسية أكثر مما هو إلى الصيغة البرلمانية. ويفتح المؤلف في هذا السياق قوسين كي يؤكد أن فرنسا لا بد وأن تعود إلى تراثها «الأصل» وذلك باسم «الثورة ذات البعد الإنساني التي طبعت بطابعها الفكر الجمهوري حتى الفترة الراهنة».ومن مظاهر «اللامبالاة» الديمقراطية التي يتحدث عنها المؤلف هناك مشروع تلك الإحصائيات القائمة على أساس إثني. ذلك بمعنى ذكر الأصل الذي ينتمي إليه الفرنسيون وتحديد هوية انتماءاتهم الأصلية. ومثل هذه الإحصائيات تمثل، برأي المؤلف، خرقا صريحا لمبدأ التعددية الذي تقرّه القوانين الفرنسية.

مثل هذه الطريقة «الجديدة» بالقياس إلى ما تقرّه المبادئ الجمهورية من حيث الاعتراف بالمواطنة فقط بعيدا عن مختلف التحديدات الاثنية أو العقائدية أو غيرها. وهذه المسألة هي أحد الموضوعات المطروحة للنقاش في الساحة الفكرية والسياسية بفرنسا اليوم.

لكن «ما هي الجمهورية»؟ يتساءل مؤلف الكتاب، ويرى في معرض الإجابة عليه أن هناك أمرا مؤكّدا أنها تعني أولا وأساسا نظاما يقوم على أساس القانون الذي يتجاهل تماما المجموعات، كل المجموعات، ولا يأخذ باعتباره سوى الأفراد. ومثل هذه «النزعة الفردية الجمهورية» تتعرّض للاهتزاز اليوم على صعيد المؤسسات، كما على صعيد المبادئ الفلسفية. لكن رغم ذلك يتم تجاهل هذه النزعة بنوع من «اللامبالاة». ولا يتردد المؤلف في تحميل السلطة السياسية القائمة اليوم بتغذية التوجه الرامي إلى تقليص هامش «النزعة الفردية الجمهورية» واحداث نوع من «القطيعة» مع تقاليد عريقة. إنها «قطيعة» ستؤدي برأيه إلى «حقل من الحطام» وليس إلى «النجاة» من المأزق القائم.

ويصف المؤلف على مدى العديد من الصفات توجهات الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي من أجل احتلال ساحة الفعل السياسي كلها، وتهميش دور «رئيس الوزراء». هذا بالإضافة إلى التجاوز المتكرر للمبادئ الجمهورية. وهنا يبدي المؤلف استغرابه أيضاً من «اللامبالاة» العامة حيال كل هذه الممارسات. نقرأ: «إن الناس ينزلون بسهولة أكبر إلى الشوارع من أجل الدفاع عن الأجور أو عن وضع ما مما هو للاحتجاج على خرق مبدأ من المبادئ».

وباسم الفرد وحريته، ومن موقع المفكّر اللبرالي، يوجّه الان جيرار سلاما انتقاده للسلطة عندما تحاول الحد من تلك الحرية. ولا يتردد في أن يكتب أنه فرنسا في عام 2009 مهددة بـ «اللامبالاة» أكثر مما هو بـ «إرادة القوة» التي يُبديها الرئيس. وهو يفسر ذلك بالاعتماد على مقولات عالم الاجتماع الاقتصادي الأميركي «البرت هيرشمان» الذين يميّز بين ثلاثة خيارات يلجأ إليها الأفراد عندما تعتريهم حالة من الاستياء: إما أن ينكفئوا على دائرتهم الخاصة، أو يُظهروا الولاء للسلطة، أو أخيرا يلجأون للاحتجاج.

في المحصلة، وفي مواجهة شعار «القطيعة» الذي رفعه الرئيس الفرنسي الحالي نيكولا ساركوزي أثناء حملته الانتخابية الرئاسية وأكّد عليه بعد فوزه، يطالب الان جيرار سلاما بـ «قطيعة» مع تلك القطيعة، باسم «المبادئ الجمهورية» والإخلاص لها. ومن أجل ضمان حرية الأفراد، وحرية تفكيرهم تعبيرهم والتخلص من فخ «اللامبالاة» المنصوب على طريق المستقبل.

الكتاب: مجتمع اللامبالاة

المؤلف: الان جيرار سلاما

الناشر: بلون باريس 2009

الصفحات: 252 صفحة

القطع: المتوسط