لقد قيل الكثير عن الأزمة المالية العالمية وأسبابها وآلية اندلاعها ولكن للمرة الأولى يتجرأ مؤلف شاب، كان قد عرف دهاليز عالم المال في لندن من خلال عمله لسنوات فيه، اسمه جرينت أندرسون، على أن يخرق المحظور ويكسر الصمت ويتحدث عما جرى من الداخل كما يرسم صورة لهذا العالم المالي، وذلك في كتاب، بصيغة رواية، يحمل عنوان «سيتي بوي»، الشخصية الوهمية ـ الحقيقية التي تعرف جيداً العاصمة البريطانية وعالمها المالي.
يذكر أندرسون أن أصوله مثل أصول الشخصية التي اخترعها تعود إلى أسرة من معسكر «اليسار» البريطاني. وأنه عمل لـ 10 سنوات في إطار المضاربات لحساب بنك «سوسييتي جنرال» بشكل خاص. وكان المؤلف قد بدأ بالكتابة «تحت اسم مستعار» أولاً كي لا يثير ضده ردود أفعال غاضبة من الأوساط المحيطة بالمؤسسات المالية. وقد أثارت مقالاته في صحيفة «لندن باير» خاصة اهتماماً كبيراً وأثارت جدلاً كبيراً مما كان وراء ولادة شخصية «سيتي بوي».وعلى إثر تعرض المؤلف لحادث سير عندما كان يتنقل بدراجته النارية قرر أن يترك عمله المهني، ويكشف عن الكثير من الأسرار «المرعبة» التي تحتوي عليها كواليس عالم المال اللندني. وهكذا كان كتاب «سيتي بوي» وتعمل شخصيته الرئيسية، «بطلة»، في مؤسسة بنكية اسمها «البنك غير المفيد».
الدلالة على تجربة المؤلف لا تحتاج إلى أي برهان في الواقع. و«البطل» الذي يحمل اسم ستيف جونس، «سيتي بوي» هو نموذج ورمز واضح أيضاً لأولئك المضاربين في البورصة لحساب البنوك والمؤسسات المالية الكبرى. هؤلاء المضاربون يتم وصفهم أيضاً بأنهم هم الذين «يحكمون» العالم الذي نعيش فيه.
أما شخصية «سيتي بوي»، فإنها تمثل ذلك الموظف الكبير «الكادر» المتغطرس التي يمكن أن يقابلها سكان العاصمة البريطانية في أروقة المترو وهي ترتدي بذتها الأنيقة وتتأبط حقيبتها الجلدية الفاخرة.
ولكن يمكنها أن تكون أولئك الذين يتفاخرون بالمبالغ الخرافية التي يكسبونها من مضاربات يقوم فيها بالبورصات حيث يتاجرون بكل ما هو «افتراضي» بعيداً عن أي منتج اقتصادي حقيقي.ومن ميزات شخصية «سيتي بوي»، كما يرسمها المؤلف، وتتطابق إلى حد التشابه الكامل مع ما كان خبره وعاشه، أنها تمثل شخصاً لا يهمه مصير الآخرين، بل لا يتردد من أجل زيادة مكاسبه ولو كان ثمن ذلك هو دفع العالم نحو الفوضى. ولم يتردد مؤلف هذا الكتاب في التصريح ذات يوم ان ذلك النموذج كان «هو» عندما كان يمارس مهنة المضاربة في بورصات لندن والعالم.
وعبر شخصية «سيتي بوي»، التي يمكن أن تمثل أيضاً عالم المال في لندن، يبيّن المؤلف ما يعرفه هذا العالم من دسائس ومؤامرات ونساء. ولا يتردد في القول ان مثل تلك الممارسات ليست غريبة عن اندلاع الأزمة المالية الرهيبة، التي بدأت ويرى أن نهاية نفقها لا تزال بعيدة، على عكس الكثير من الآراء المتفائلة التي تتردد هنا وهناك.
ومن الأسرار، المعروفة للكثيرين في العالم، التي يكشف عنها المؤلف وبالأرقام تأكيده أن بعض المضاربين في البورصات يتقاضون أحياناً مكافآت عن «العمل» الذي يقومون به تحب قيمتها بمبالغ مؤلفة من ستة أرقام هذا إلى جانب «المبالغة المفرطة» في كل الاتجاهات.
وبهذا المعنى يمكن لهذا الكتاب أن يشكل «شهادة متفجّرة»، كما جاء في عنوانه الفرعي. ويشير المؤلف إلى أن آخر مكافأة كان قد نالها هي 500000 جنيه استرليني، وهذه مكافأة شائعة وليست استثنائية، كما يؤكد.
كذلك تشير المعلومات المقدّمة في هذا الكتاب أن عالم المال اللندني، وبالتشابع غير اللندني، له تداخلاته مع عوالم أخرى بما في ذلك عالم السياسة. ثم إن «مدينة المال اللندنية» ترفد هي وحدها إجمالي الإنتاج القومي البريطاني بنسبة 14 بالمئة من مجمل موارده. كتاب وثيقة لشجب سلوكية المسؤولين عن نشوب إحدى أكبر الأزمات المالية والاقتصادية منذ عقود عديدة من الزمن.
الكتاب: سيتي بوي
المؤلف: جيرنت أندرسون
الناشر: هيدلاين بوك لندن 2008
الصفحات: 336 صفحة
القطع: المتوسط
City Boy
Geraint Anderson
Headlin Book
London 2008
336P.

