«معانقة السماء الرحبة» هو الكتاب الثاني لدانييل تيميت بعد عمله الشهير الأول المكرّس لمذكراته «وُلدت ذات يوم أزرق». وهو يتعرّض في هذا العمل الجديد لـ «آلية عمل الدماغ»، دماغه ودماغ الآخرين. وهو يقول في إحدى الجمل: «كل الأدمغة تمتلك شيئا من العبقرية. العباقرة من البشر والعاديين منهم. لكن ينبغي على كل إنسان أن يستخدمها من أجل تحسين ذاكرته وإمكانياته الفكرية ويطوّر إبداعه». ولا يتردد صاحب هذا الكتاب في القول أن «الدماغ أرحب من الفضاء وأكبر من البحر».
مؤلف هذا الكتاب وصاحب هذه الكلمات هو إنسان «مستوحد» يعيش بعيدا عن الناس حيث أنه مصاب بنوع من الانطوائية المرضية «الاوتيسم». لكنه عبقري أيضاً في مجال الأرقام واللغات. ولقد استطاع الخروج من سجن «العزلة» المفروض على هذه الزمرة من البشر كي يصبح كاتبا، بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى، وهو أيضاً عالم حقيقي وإنما مع قدر كبير من الحس الإنساني.
وهذا ما دفع أكبر الأخصائيين العالميين بميدان علم الأعصاب إلى الانكباب على دراسة حالته والتحدّث إليه.وهو يحاول أن يشرح في هذا الكتاب الطريقة التي يعمل فيها دماغه، ودماغ الآخرين ويعرض للقارئ «اكتشافاته» حول «دماغ العباقرة»، كما يقول العنوان الفرعي للكتاب. وذلك على مدى فصول عشرة لعناوينها دلالات واضحة عن توجّه صاحبها. وقد جاءت هذه العناوين بالتتالي: «أوسع من الفضاء»، «من بدل من»؟ «سحر الذاكرة»، «عالم الكلمات»، «غريزة الأعداد»، «بيولوجية الإبداع»، «الرؤية، هل هي وهم»؟ «استهلاك المعلومات»، «الفكر الرياضي»، وأخيرا «المستقبل والعقل».
وما يؤكد عليه المؤلف هو ضرورة التخلّي، كخطوة أولى، عن جميع الأحكام المسبقة و«فتح الأبواب المعقّدة للدماغ». وهذا سوف يؤدي بدوره إلى فتح العديد من الآفاق أمام دماغنا نحن.
بهذه الطريقة تكون لنا «إبداعاتنا» الخاصة بنا ولكن أيضاً بناء العالم الذي يحيط بنا، ذلك أننا «نمتلك كلنا شيئا فريدا ما يسمح لنا بالمساهمة في مسيرة العالم»، كما يقول ويضيف أن الفرق بين أدمغة البشر مبالغ فيه.
ولا شك أن ما يعرضه المؤلف من مكتشفات حول عمل الدماغ الإنساني، وخاصة فيما يتعلق بـ «الارتباطات المعقّدة والخصوصيات» التي يمتلكها دماغ كل فرد. ولعلّ من أهم النتائج التي يتم التوصل إليها هو أن المصابين بالانطوائية «الأوتيسم» وبالفصام «الشيزوفرينيا» والمصابين بالصرع ليسوا مجرد مرضى عاديين وإنما حالات تتمتع بـ «خصوصيات» دماغية. إن الخصوصية الكبرى التي تتميز فيها «انطوائية» مؤلف هذا الكتاب والتي دفعت إلى وصفه بـ «العالم العبقري» تتمثل في مواهبه الخارقة في مجال الأعداد واللغات، وذلك من حيث سرعة تعلّمها تحديدا.
وهو يشرح بالتفصيل في الكتاب سر «عبقريته» في هذين الميدانين والطريق التي سلكها من أجل الوصول إلى ذلك. إنه يشرح ويقدم النصائح، بمعنى ما، بنفس الوقت. إنه باختصار يحاول دفع القارئ للولوج إلى عالمه حيث كان قد استطاع في عام 2004 أن يتذكر «دماغيا» ودون أية آلة إلى 22،514 جزء عشري من الجذر 3،1415. ويدلّنا المؤلف على الكيفية التي تجعلنا نستطيع أن «نخزّن» في رؤوسنا بسرعة أكبر الأرقام والأعداد.
ويشرح المؤلف على مدى العديد من الصفحات تجربته مع الاختصاصيين العالميين بميدان الجهاز العصبي. لقد قابلهم ودرسوا حالته لكنه هو الذي قرر أن يستفيد من تلك التجربة. هكذا انكبّ على قراءة أعمالهم لمعرفة «ماذا يعرفون» ثم ليقدم هو بعد ذلك «اكتشافاته». وما يؤكده هو أنه لم يكن يحب الأرقام عندما كان صغيرا لكنه «اخترع» عالما مسليا وشاعريا. قالوا له أنه يمتلك «دماغا عبقريا» فقال للجميع أنهم لهم هم أيضاً مصادر عبقريتهم لكنهم لا يعرفون استخدامها. كما أن المنظومات العلمية السائدة لا تساعد على سبر ندرات الدماغ الإنساني، بسبب قواعدها وقوالبها الجامدة.
في المحصلة استطاع هذا المؤلف الشاب «الانطوائي»، الذي عرف منذ سنوات حياته الأولى العزلة وواجه الكثير من المشاكل الاجتماعية، أن يكسر الطوق المضروب عليه، بل ويساهم في فتح مساحة من الأمل أمام الكثير ممن يطلعون على تجربته-النموذج. إنه يتحدث 12 لغة من بينها الانجليزية و«الفرنسية والألمانية والاسبانية والايستونية واللتوانية- ليس من بينها العربية.
إنه يعيش في عالم «تتعانق فيه الأرقام والألوان كما في المناظر الطبيعية»، كما جاء في تعليق أحد النقاد على هذا الكتاب.
الكتاب: معانقة السماء الرحبة
المؤلف: دانييل تيميت
الناشر: هودراند ستوغتون لندن 2009
الصفحات: 304 صفحة
القطع: المتوسط
Embracing the wide sky
Daniel Tammet
Hodder and Stoughthon London 2009
304P.
