اهتمت الفيلسوفة الفرنسية سيلفيان اغاسينسكي باستمرار بموقع الجسد الإنساني في المجتمعات الغربية، وذلك بالتحديد من زاوية النظر إليه كسلعة جنسية وعلاقة هذا بعالم السياسة. وهي تعود إلى نفس الموضوع في كتابها الجديد «الجسد المبعثر».

إن المؤلفة تعلن منذ البداية رفضها للنزوع السائد في المجتمعات الغربية الاستهلاكية نحو «تسويق الجسد». وترى أن النساء يواجهن أكثر فأكثر أشد المخاطر بسبب التطورات المحققة في ميدان تكنولوجيات علوم الحياة. هكذا ترى في الممارسة المتمثلة في قيام بعض النساء في الغرب بدور «الحاضنة» الحامل بطفل يعود لزوجين آخرين بحيث تنتهي مهمتها عند ولادة الطفل نوعا من الاستغراب المهين للجسد الإنساني.وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تركز على دراسة حالة «الاغتراب» التي نعيشها المرأة في حالات كثيرة بالغرب كنتيجة لسيادة مفاهيم الاستهلاك والتسويق، فإنها تؤكد بالمقابل أن الأمر يتعدّى المرأة حصريا. ذلك أن «الإنسان الحديث» عامة يعيش حالة تشتت شخصيته مع ما يترتب على هذا من فقدان لـ «التوازن» الاجتماعي. التعبيرات التي تتعرّض لها في هذا السياق تتمثّل في «إنتاج» أطفال المختبرات، وتسويق الخلايا البشرية وأعضاء الجسد الإنساني.

وتبحث المؤلفة أيضاً في الصيغ التاريخية للعلاقة بين الرجل والمرأة من زاوية ما يسمى بـ «المساواة» في الحقوق والواجبات وما يترتب على هذا من «تكافؤ منشود» على صعيد المشاركة في النشاطات العامة، السياسية وغيرها. وهذا ما تشرحه المؤلفة في القسم الأول من الكتاب الذي يحمل عنوان: «المساواة والتكافؤ». ولا تتردد في مطالبة النساء بتقديم جهود أكبر في سبيل ترجمة الشعارات النظرية إلى واقع معاش.

أما الموضوع الأساسي الذي يبرز فيه واقع «عدم المساواة» بين الجنسين فتحدده المؤلفة في عدم التساوي بالتعامل مع الجسد. وهذا ما تسميه بـ «التمايز الجسدي» الذي يشكل عنوان القسم الثاني من الكتاب. وفي هذا الإطار بالتحديد تقوم بدراسة ظواهر استخدام جسد المرأة كمادة خاضعة للتسويق بعيدا عن القدر الذي تفرضه الكرامة الإنسانية. هنا نقرأ عن «الأم الحاضنة» وعن «الرحم الاصطناعي».

وإذا كانت مؤلفة هذا الكتاب تسهب في الحديث عن مدى التوجه الاستهلاكي في التعامل مع جسد المرأة في المجتمعات الغربية الاستهلاكية، فإنها تولي اهتمامها أيضاً لدراسة المنظومات القانونية الخاصة بميدان تكنولوجيات البيولوجيا. هذا خاصة أن فرنسا تستعد لإعادة النظر في القوانين الخاصة بالاستنساخ والإنجاب بطرق أشبه بالتصنيع مثلما يجري في كاليفورنيا.

تتم الإشارة هنا إلى وجود تيارين في فرنسا، تيار يمثله عدد من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية ومجلس الشيوخ ويرفض إعطاء الضوء الأخضر لجعل مثل هذه الممارسات مشروعة قانونيا. وتيار آخر يطالب بالسماح بها، كما أشارت عريضة نظمها 69 مثقفا «مأخوذين بالنموذج - الموديل الأميركي». ولا تتردد مؤلفة هذا الكتاب في الإعلان عن موقف صريح وواضح بهذا الشأن لتؤكد أن استخدام جسد المرأة كأداة يخالف تماما احترام كرامة البشر لأجسادهم، وهو الاحترام الذي ينص عليه الدستور والتشريعات القانونية الفرنسية.

وتشير سيلفيان اغاسينسكي في هذا السياق إلى ضرورة التمييز بين حرية البشر في التصرّف بأنفسهم كما يشاءون إذا كانوا بالغين. ف«الدولة ليست مربية» ولا تستطيع منع أحدهم من بتر أحد أعضائه أو الانتحار وهي ليست معنية ب«الحياة الخاصة» للأفراد، وبين حالة وجود عقود واتفاقيات بين مجموعة الأشخاص. ومهمة القانون عامة هي ضمان قانونية العقود لكن شريطة أن لا تمس بالكرامة الإنسانية وأن لا تخضع لقواعد «أسواق اليأس». ثم إن القوانين الفرنسية النافذة، كما تقول، لا تسمح بالتصرف مع الجسد على أنه سلعة.

تتم الإشارة في هذا السياق إلى الممارسات التي تعرفها بعض البلدان، الآسيوية خاصة، حيث يقوم بعض الشباب بنشر إعلانات في الصحف لبيع كلية أو عضو آخر. فهل ينبغي في هذه الحالة السماح بمثل هذه «السوق» تحت حجة أن المعنيين أحرار يفعلون ما يشاءون بأجسادهم؟! تتساءل المؤلفة. ثم تضيف أن المسألة هنا تتعلق تحديدا برهان حضاري، مع ضرورة التأكيد على أن احترام الجسد ينبغي أن يتفوّق على رغبات الأفراد.

وبكل الحالات ترى مؤلفة هذا الكتاب أنه تقع على كاهل كل دولة مسؤولية تحديد ما تعنيه بالبعد الإنساني. ولا ينبغي بالتالي لدولة مثل فرنسا أن تقبل ممارسات لا تحترم الجسد الإنساني تحت حجة أن مثل هذه الممارسات مسموح فيها بكاليفورنيا أو موسكو وهناك مبدأ لا تمكن المساومة عليه وهو أن المرأة ليست آلة ولا أداة، وقبل كل شيء ليست «حاضنة». وفي مثل هذا النهج من التحليل تصل المؤلفة إلى القول أن «الإمكانيات التقنية» التي وفرتها التكنولوجيات الحديثة لا تبيح كل السلوكيات المخالفة لأبسط قواعد احترام الكرامة الإنسانية.

الكتاب: الجسد المبعثر

تأليف: سيلفيان اغاسنيسكي

الناشر: فلاماريون باريس 2009

الصفحات:140 صفحة

القطع: المتوسط

Le Corpsen miettes

Sylviane Agacinski

Flammarion - Paris 2009

140P.