تشكل الفنادق والمطاعم، تقليديا، ساحات مدهشة لأعمال روائية مهمة في التقاليد الغربية، شأن المسارح، حيث تأتي ومعها سلسلة من المفارقات التي تقدم إمكانيات كبيرة للروائي المبدع، ابتداء من المفارقة بين عظمة المدخل وتألقه وبين المظهر المتواضع للخلفية، وأيضا الاستمرارية المؤسسية مقابل الطابع العابر والزائل للعاملين.

ومن المحقق أن هذا كله وغيره كثير كان ضمن الحسابات والتقديرات التي أخذتها الروائية البنغالية مونيكا علي بعين الاعتبار، وهي تخطط روايتها الجديدة «في المطبخ» التي تدور أحداثها في مطعم «جاك» في فندق الامبريال قرب ميدان البيكاديلي اللندني الشهير، والذي مر بسلسلة لا نهاية لها من عمليات التجديد والتحديث وبعد أن كان مملوكا لمجموعة من رجال الأعمال أصبح الآن ملكاً لمؤسسة عابرة للحدود.

يمكننا أن نعتبر هذا المكان بمثابة انعكاس للتغير الصارم الذي طرأ على ملامح انجلترا العتيدة ذاتها، حيث يقوم بالأعمال الشاقة جمع من العمال المهاجرين المشكوك في وضعيتهم القانونية أما المطبخ وهو «سجن في جانب منه، مستشفى للأمراض العصبية في جانب ثان، وقاعدة لأحد الأحياء في جانب ثالث» فتعلم فيه عينة تمثل سوق العمل اللندني أدق التمثيل وأصدقه، وتشمل لاجئا ليبيريا خافت الصوت، مهاجراً روسياً غريب الأطوار، طباخا هنديا مولعاً بتحسين نفسه، وطباخاً فرنسيا للمعجنات مكتئبا على الدوام.

لكننا على موعد بصفة أساسية مع جابرييل لا يتفوت الطاهي التنفيذي والذي يعد من القلائل المولودين في انجلترا في المطعم، وهو يحدث نفسه قائلا: لو أن فندق الامبريال كان شخصاً لقلت لنفسك إنه ها هنا إنسانة لا تعرف من عساها تكون».

سرعان ما يتبين لنا أن جابرييل، أوجابي كما يدعو نفسه غالباً يعاني من أزمة خاصة به، وذلك على الرغم من أن هذه الأزمة تأخذ وقتا طويلا لكي توضح عن نفسها.

ولما كان جابي هو كبير الطهاة، فإنه يمضي في الإدارة وقتا أطول مما ينفقه في الطهي، وهو في الوقت نفسه يقضي وقتا لا ينتهي في اجتماعات مع شخصيات مريبة تنتمي إلى الكوادر الإدارية، وهو عندما لا يكون غارقاً في التعامل مع هذه الشخصيات يجد نفسه متورطاً في الوساطة بين مرؤسيه العاكفين على الشجار الصاخب، وعلى نحو ما يجد وقتا للمضي قدما بخططه الرامية إلى إنشاء مطعم خاص به، بدعم من رجل أعمال يستعصي على التنبؤ بتصرفاته وعضو في البرلمان مولع بأجهزة الإعلام.

وفي ضوء هذا كله يجد جابي وقتا لخطط غامضة للزواج من صديقته الحميمة، وهي مغنية الشعر، توصف على الدوام بأنها «لينة البشرة» و «جميلة مثل يوم صيفي».

وأخيرا، فإن جابي يعتزم قضاء وقت أطول مع أبيه، وهو نساج صناعي سابق يحتضر الآن من جراء السرطان في لانكشاير.

تحاول مونيكا علي إضفاء شكل درامي على مشكلات جابي بربط إحساسه المتفاقم بالتأزم بالموت الذي يحل فجأة في القبو الواقع أسفل المطبخ، ويختطف على نحو غامض يوري الحمال الأوكراني الذي كان قبل موته قلما يلاحظ أحد وجوده، لكنه يقفز إلى واجهة الاهتمام بعد العثور عليه غارقا في بحيرة من دمه في القبو.

خلال التحقيقات التي تجريها الشرطة حول الحادث يلتقي جابي مع لينا، وهي شابة نحيلة تعمل حمالة أيضا من بيلاروسيا يبدو أنها تعرف عن يوري أكثر بكثير مما تقر به.

بعد أن يضيق جابي من الحمى التي ألمت به نراه وقد مضى بلين إلى شقته، وبدأ في الإلمام بقصتها التي تدور حول الاتجار في البشر، وهيمن عليه عشق استحواذي حيالها، يبدو أنها لا تبادله إياه.

عند هذا المنعطف يتوقع القارئ أن يبدأ عالم جابي في التداعي مع تحقيقه في آليات السوق المرعبة التي تزوده بالعمال، ولكن قبل أن يحدث ذلك فإن الرواية تراكم الخلفيات والأحداث غير الدرامية التي توسع نظام موضوعها على حساب الاندفاع السردي قدما إلى الإمام.

ومن أفضل جوانبها تبدو «في المطبخ» رواية تدور حول العمل، ومن الواضح أن مونيكا علي قد أنجزت كل الفروض المدرسية المطلوبة منها وقامت بفيض من الأبحاث عن مطابخ المطاعم وعن النسيج وهي تستخدم هذين العملين كرمزين مستمرين لرؤيتين متباينتين للمجتمع، رؤية النسيج الاجتماعي المتماسك الذي يتذكره بمزيد من الحنين والد جابي وزملاؤه، وبوتقة مطبخ جابي في عالم العمل المعاصر بكل ما يعصف به حالياً.

وعلى الرغم من الجهد الكبير الذي تبذله مونيكا علي في روايتها الجديدة، إلا أن كتابها الثالث لا يخلو من عيوب ملحوظة، فالحوار في أحيان كثيرة يبدو فاضحا للشخصيات على نحو مرتبك، وتعاني المؤلفة من متاعب حقيقية في مزج أفكار جابي وخواطره مع تصرفاته وأعماله، فلا تجد أمامها سبيلاً إلا وصف هذه وتلك في فقرات متراوحة.

أيا كان الأمر، فإن كتاب مونيكا علي الثالث يظل إضافة لا يمكن إلا أن تلقى الترحيب إلى رصيدها الثمين من العمل الإبداعي، وهي إضافة تأتي في موعدها حقاً، على الرغم من كل عيوبها، التي أشرنا إلى بعضها.

يوم موت الأوكراني

«عندما عاد بذاكرته إلى الوراء، ساوره شعور بأن موت الأوكراني كان المنعطف الذي بدأت الأشياء في التداعي عنده. ولم يكن بمقدوره القول إنه كان أحد الأسباب، لأن الأحداث التي أعقبت بدا أنها حتمية وعشوائية تماماً في آن، وعلى الرغم من أنه كان بوسعه أن يقوم بتجميع سياق سردي، ويستشعر نوعا من الارتياح في غمار ذلك، فإنه كان قد تغير على نحو كاف آنذاك بحيث يدرك أن الأمر لا يعدو أن يكون قصة يمكن أن يرويها، وتلك النوعية، عموما لم تكن مما يوثق به، وقد حدد البداية في ذلك اليوم الذي مات خلاله الأوكراني، فيما كان اليوم التالي، إذا كان يمكن للحياة أن تضم منعطفاً، هو الذي ستدور حياته حوله».

الكتاب: في المطبخ

تأليف: مونيكا علي

الناشر: سكريبنر لندن 2009

الصفحات 432 صفحة

القطع: المتوسط

In the Kitchen

Monica Ali

Scribuer - London 2009

432P.