مع صدور الرواية الثالثة للروائية البنغالية مونيكا علي بعنوان «في المطبخ» بادرت مجلة «بوكواير» إلى إجراء هذه المقابلة معها، حيث أشارت إلى أن روايتها الجديدة تتجاوز العمل إلى الحلم كساحة لها، وقالت إنها تحمل معها شخصياتها طويلاً قبل أن تضعها على الورق في صياغتها النهائية، وشددت على أن الروائي لا يمكن إلا أن يستلهم من تجربته الخاصة عناصر تتحول إلى جزء من نسيج أعماله الإبداعية، وناقشت الفكرة الجوهرية التي تدور حول تقبل شخصياتها وواقعها باعتباره قدراً أو مصيراً والأرض التي تضرب فيها هذه الفكرة جذورها، وفيما يلي نص الحوار:
صسشمع صدور روايتك الثالثة، يبدو أن هناك انتقالاً جديداً عبر أكثر من أفق بالنسبة لشخصياتها. ربما كان الانتقال الأكثر أهمية في رواية «في المطبخ»، من منظوري، هو انطلاق الرواية ساحة العمل إلى ساحة الحلم، وهو انتقال أعتقد أنه سيثير اهتمام القراء، فالبطل جابرييل لا يبدو لنا منطلقاً في مطعمه العتيد الذي يتحقق فيه بشكل أو بآخر بقدر ما نراه في فقدانه الرهيب لذاته وقصته المتشطية والمثيرة للقلق التي تحلق إلى آفاق الجنون. لقد قطعت شوطاً طويلاً منذ بداية عهدك بالكتابة، فما الذي تتذكرينه عندما تعودين بذاكرتك إلى نقطة الانطلاق؟
بدأت كتابة روايتي الأولى «بريك لين» في يوليو 2001، في اليوم نفسه الذي أعقب جنازة جدي. وأتذكر أننا مضينا في عطلة، وكان ذلك اليوم يوماً مشمساً جميلاً، وأحسست بأنني لم يعد بمقدوري تأجيل الكتابة بأكثر مما فعلت، واصطحب زوجي الأطفال خارج الدار، فأسدلت الستائر، وشرعت في الكتابة في ذلك اليوم.
هل كانت القصص الصغيرة التي كتبتها في ذلك الوقت مرتبطة على الإطلاق بأي من رواياتك التي أصدرتها في وقت لاحق؟
كانت هناك بعض الشخصيات هي ذاتها التي استخدمت في هذه الأعمال مع سياقات مختلفة. ولو أنني عدت بنظري إلى الوراء لإلقاء نظرة عليها، وهو مالا أفعله أبداً، فإن بمقدوري أن أتذكر أنه كانت هناك بذور لبعض الأمور التي أكتب عنها الآن بالفعل.
ماذا حدث بعدئذ؟
لقد بدأت في كتابة «بريك لين» ثم كيف اتصلت بالناشر؟ أنني أطلعت صديقة لي على الفصلين الأوليين كانت قد بدأت في العمل في وظيفة جديدة لدى أحد الناشرين. من دون أن أعلق كبير أمل على الأمر برمته، ولكنني تلقيت اتصالاً هاتفياً في اليوم التالي يتضمن سؤالاً عما إذا كان لديَّ المزيد.
وكان لدي بالفعل فصل ثالث من الرواية، وكنت مترددة في إرساله لأنه كان مسودة أولية. ولكن صديقتي أقنعتني بإرساله، وهو ما قمت به عبر البريد الإلكتروني وبعد يومين تلقيت اتصالاً هاتفياً آخر يتضمن السؤال حول إمكانية اللقاء في إطار غداء عمل، وكان ذلك بداية كل شيء حيث أصبح لي وكيل أدبي، وحتى الآن اتفقنا على إصدار الكتاب في 26 لغة أجنبية.
أعتقد أن كل كاتب يبدأ مسيرته الإبداعية يأمل ويحلم بأنه ذات يوم سيتم نشر أعماله، ولكن توقع كل هذا الاهتمام وتحقيق ما حلمت به يبدو أن المرء كان ينبغي أن يكون مجنوناً ليمضي قدماً بهذا التوقيع، وبالتالي فإن ما حدث هو بمثابة مفاجأة مستمرة ورحلة مدهشة.
فيما يتعلق بروايتك «بريك لين» هل كان هناك تاريخ شخصي أو عائلي مندرج فيها، أم أنك قمت بأبحاث لإنجازها؟
هذا كله مندرج في الرواية. وأنا على يقين من أن الجميع سيقول الشيء نفسه، فالمؤلف يستمد دوماً من تجربته الخاصة. وهكذا فإنك مع كل شخصية تكتب عنها فإنك تكتب عن جزء من نفسك. وحتى مع أكثر الشخصيات اهتماماً، فإنك تتعمق في ذلك إلى الأجزاء الأقل جمالاً منها. وأتت دائماً تكتب على ذلك المستوى.
ومفهوم الأجيال في جماعة مهاجرة هي شيء عشته بنفسي وجربته، ثم أنني قمت ببعض الأبحاث كذلك، وأجريت مقابلات مع الناس في مختلف أرجاء تلك المنطقة من لندن والاختصاصيين والاجتماعيين ورجال الشرطة وهلم جرا. ولكنني لست صحافية، ولهذا فقد نأيت عن ذلك كله لبعض الوقت وسمحت لنفسي بتصور السياق الخاص الذي يندرج العمل في إطاره. وهناك جانب آخر هو قيام أبي بسرد القصص، فقد نشأ في بنجلاديش وهو يحكي القصص عن الحياة في القرية، وقد أردت الحفاظ على جانب من ذلك وإبقاءه لأبنائي. هل هذا المفهوم أساس ثقافي أو ديني؟
من أين جاءتك هذه الفكرة في عملك الإبداعي؟
إن ورطة نازنين هي هذه المسألة المتعلقة بما يمكنها أن تسيطر عليه في حياتها، وحتى يكون من الأفضل تقبل الأمور. وبالنسبة لها فإن هذا جزء من الخلفية الاجتماعية والثقافية والدينية لحياتها وجزء من خلفية عائلتها.
ولكننا جميعاً نتعامل مع هذه القضية ذاتها، فهي مسألة إنسانية أساسية وفي المملكة المتحدة والغرب، وفي أميركا يقيناً كذلك، فإنني أرى التجلي الخارجي لهذه الورطة. ومن ناحية لدينا كل هذه الكتب المتعلقة بمساعدة النفس التي تشير إلى أننا نسيطر على حياتنا. ومن ناحية أخرى لدينا ذلك الوعي المتزايد بما هو مقدر لنا في حياتنا.
وسواء أكان الأمر متعلقاً بعمل الجينات أو بفرويد، فأنت ستظل على ما أنت عليه. يضاف إلى ذلك أننا لدينا اهتمام بالتأمل والنزعة الروحانية والعثور على السلام الداخلي. ونحن جميعاً ندور حول قراءات مختلفة لهذا. ونحن نقول: «إذا كان هذا مقدراً له أن يحدث فسوف يحدث»، ولكننا من ناحية أخرى نقوم على الدوام بكتابة قوائم بما نريد تحقيقه وبما نريد القيام به. وهكذا فإن الأمر هو ذاته بالنسبة لنازنين، وكل من هنالك أنها تتحدث عن هذه المسائل بطرق أخرى.
كيف ترجم هذا المفهوم بالنسبة لك ولكتاباتك؟
حسناً، إنني أحب أن أعيش حياتي على الدوام كما لو كنت أسيطر عليها سيطرة كاملة، وكلما ازداد اضطراري للتفكير حول هذا الأمر، غداً هذا الافتراض أكثر صعوبة، وكلما أوغلت في التفكير فيه وتحليله إزاد تعقيداً. ولكن على أي حال فإنني بحكم عنادي أتظاهر بأن بمقدوري أن أسيطر على كل شيء في حياتي.
ما هي النصيحة التي توجهينها للكتاب ذوي الطموح؟
إنني أعتقد على الدوام أن من سيكللون بالنجاح سيتحقق لهم ذلك على أي حال، بغض النظر عن إبلاغ الناس لهم بمدى صعوبة تحقيق ذلك النجاح، ونصيحتي الرئيسية هي قراءة الكثير. أعتقد أن ذلك يلعب دوراً كبيراً، ويساعد في ذلك الإصغاء للغة، وهناك الكثير من الطرق الآن التي يمكن بها للناس تحسين أدائهم المهني من الجماعات على الانترنت إلى ورش العمل إلى الكتب التي توضح طرقا لإنجاز الأمور. ولكن أعتقد أن الزمر الأساسي هو أن يكون المرء قارئاً جيداً.
كيف تعرفين النجاح بالنسبة لنفسك؟
أحسب أن أكثر ما أعتز به وأفخر هو عائلتي وأبنائي، فهذا الجانب هو بالنسبة إلي أكبر نجاح يمكن أن أحرزه. وإذا كان بمقدوري مواصلة الكتابة، فإن هذا نجاح في حد ذاته، بغض النظر عن كيفية نشر الكتاب التالي. وإذا كان بمقدوري مواصلة الكتابة عن أمور أهتم بها فهذا هو النجاح.
منى مدكور
