يعتبر هذا الكتاب للدكتور جمال سلامة علي أقرب إلى المشروع القومي منه إلى الكتاب بما يتضمنه من تحليل ووثائق وصور نادرة قلما أطلع عليها أبناء الأمة، وهو لا يهدف إلى مجرد تنشيط ذاكرة البعض بقدر ما يهدف إلى حماية ذاكرة الأمة حتى لا تتحول تلك الذاكرة إلى مجرد ذكريات، إيمانا من المؤلف بأن «أمة بلا ذاكرة هي أمة بلا حاضر أو مستقبل وأنه لا معنى للحديث عن كيفية استعادة فلسطين دون الحديث عن كيف ضاعت فلسطين».
وعلى مدى 12 فصلا يتناول المؤلف موضوعه بدءا من حكم الرجل المريض ممثلا في الإمبراطورية العثمانية مرورا بحركة الشريف حسين وإصدار وعد بلفور الذي مثل عطاء من لا يملك لمن لا يستحق ثم مسيرة الحركة الوطنية الفلسطينية ثم الطريق إلى النكبة بالشكل الذي تطورت إليه بالحرب ضد مصر. وحسب المؤلف فإن أهمية الموضوع تأتي من أنه ونحن بصدد التعامل مع ملفات الصراع العربي الإسرائيلي قد يكون من المفيد استحضار بعض الظروف التاريخية في المنطقة لإدراك طبيعة تحولات الأحداث وتداعياتها على فلسطين والأمة العربية.
وفي سياق تناوله بالتحليل لقصة انتزاع فلسطين من خلال تطورات أحداث النصف الأول من القرن الماضي يشير المؤلف إلى أنه في فترة الحرب العالمية الأولى باتت السياسة البريطانية تتبنى بشكل تدريجي فكرة تأسيس وطن لليهود في فلسطين وبعد عدة مناقشات داخل الحكومة البريطانية ومشاورات مع زعماء الحركة الصهيونية صدر القرار الذي عرف بوعد بلفور عام 1917 قبل شهر من دخول القوات البريطانية إلى القدس ثم إلى الشام.
وضمن استعراضه لفصول سقوط فلسطين يصحبنا المؤلف في جولة على ما يصفه بمعارك جيش الجهاد المقدس حيث إنه عقب صدور قرار التقسيم تصاعدت من جديد حدة القتال بين اليهود والفلسطينيين ففي الوقت الذي كانت الهاجاناه تستكمل استعداداتها للاستيلاء على المدن والقرى الفلسطينية كانت عصابتا «الأرجون» و«شتيرن» وغيرهما من العصابات اليهودية تحولان نشاطهما لإرهاب الفلسطينيين.
كان من نتيجة ذلك أن قررت الهيئة العربية العليا لفلسطين التي تشكلت في القاهرة بعد صدور قرار التقسيم إعادة تشكيل منظمة الجهاد المقدس كقوات غير نظامية وتم تغيير اسمها إلى جيش الجهاد المقدس وكان معظم أفراد هذا الجيش من المقاتلين الفلسطينيين فضلا عن بعض المتطوعين من البلدان العربية وعلى إثر ذلك امتدت المعارك بين العرب واليهود إلى جميع أنحاء فلسطين ليتساقط عدد كبير من القتلى والجرحى بين الجانبين.
من هنا ومع اشتداد المعارك بين الطرفين وحلول 14 مايو موعد انتهاء الانتداب البريطاني ومغادرة البريطانيين مواقعهم ومعسكراتهم حتى احتلها اليهود على الفور وفي اليوم ذاته أعلن ديفيد بن جوريون قيام دولة إسرائيل وشكل حكومة مؤقتة برئاسته وتولى أيضاً منصب وزير الدفاع، حيث سارعت الولايات المتحدة بعد دقائق إلى الاعتراف بها وتلاها الاتحاد السوفييتي ثم توالت بقية الاعترافات المؤيدة للدول الصهيونية.
وفي استعراضه لأداء التحالف العربي الذي واجه اليهود منذ صدور قرار التقسيم حتى نهاية الحرب يذكر المؤلف أنه كان أبعد ما يكون عن التماسك مضيفا أنه من الصحيح أن هذه الجيوش حاربت في فلسطين إلا أنها لم تستطع أن تمنع سقوطها فلم يكن هناك استراتيجية أو تخطيط عسكري سليم ومشترك بين الدول العربية.
هنا يقرر المؤلف أنه كان يمكن للدول العربية لو أرادت أن تدعم المقاومة والوطنيين في فلسطين وتمدهم بالعتاد والسلاح والمتطوعين منذ اندلاع ثورتهم عام 1936 وكان هذا يكفي لأن يحول دون تمكين اليهود من وضع أيديهم على المناطق التي اغتصبوها.
ويذكر المؤلف أن الدرس المستفاد من هذا التناول يشير إلى أن فلسطين سلبت بواسطة مخطط محكم وأن هذا العدو الذي وضع مخططا للاستيلاء على فلسطين كان مخلصا تماما لمفهوم ومقتضيات هذا المخطط. وهنا يؤكد على أنه في صراعنا مع هذا العدو يجب التأكيد على أهمية البعد النفسي وهو عامل لا يقل أهمية عن القوة المادية بل يجزم المؤلف بتفوقه بمراحل على أثر القوة المادية، حيث إن الحقائق كلها والتجارب تبرهن على أن مقدمات النصر أو الهزيمة هي مقدمات نفسية.
وفي محاولة لاستخلاص العبر والدروس من نكبة الأمة في فلسطين يذكر المؤلف انه يبدو جليا أننا لم نتعلم ولم نستفد من تجربة الهزيمة، فالعشوائية هي نفس العشوائية والأنانية هي نفس الأنانية والخنوع هو نفس الخنوع.
الكتاب: ذاكرة أمة
تأليف: د.جمال سلامة علي
الناشر: دار النهضة العربية القاهرة 2009
الصفحات: 1166 صفحة
القطع: الكبير
مصطفى عبد الرازق
